Uncategorizedالرأي

عبدالرحمن حنين يكتب شاهد عيان : دائرة الاعلام : الحقيقة الغائبة ( 2 )


…………………………
( 1 )
حين مارست طائرة الميج قصفا عشوائيا ذات نهار عاصف ، كانت كوكبة من كوادر دائرة الإعلام منهمكة في تهيئة المقر بعد قصفه بأحدى الاحياء الراقية بقلب الخرطوم ..!
( 2 )
دوويّ انفجار هائل يزلزل المنطقة ، غبار كثيّف يُغطى الأرجاء ، الزجاج المتناثر من نوافذ البنايات الشاهقة يجِزّ رقابْ المارة بالطرقات ، الجالسين اسفل الاشجار مع بائعات الشاي يهرعون داخل البنايات القريبة ، سحابة سوداء تصعد الى السماء ، السكون يخيّم على المكان ..!
…طائرة الميج التي تحلق على نحو منخفض تخطئ الهدف لكنها تعاود الدوران تارة أخرى فوق سماء شارع الستين ..!
..الأعناق تشرئب إلى السماء ، العيون الجاحظة تراقب المشهد ..!
يا للهول ..؟
إنها قادمة نحونا مباشرة ..!
القصف هذه المرة سيطال (الموقع) لا محالة !
الجميع ينطق الشهادتين ..!
( 3 )
في الاثناء وقبل ان ترسل الطائرة مافي جوفها من مقذوف سارع الزملاء في الخروج من الموقع ..!
الجميع إستخدم الساتر ..!
لا منجاة اليوم ..!
إهتزت الأرجاء ثانية .! تصاعدت ألسنة اللهب.!
سحابة سوداء تظلل المكان …!
ياسبحان الله ..!
.. من بين ركام البناية المتناثرة فوق الاجساد الممددة ينهض الاشاوس كالعنقاء من حواف الموت..!
ينسِلون، واحدا ، تلو الاخر …!
من بين الحطام ينهض خالد مسبل منتصباً ، واقفا على ساقين ، ينفض التراب عن جسده النحيف المنهك، يفعل كذلك باقي الرفاق، يونس الفكي ، على الصادق ، الفاتح حرّان ، عادل منقة ، كارمن ، حسبو، ثم يخرج رئيس الدائرة المقدم الطيب خليل ..!
الآن الجميع ينهض من تحت الركام …!
الموقع اصبح بائنا ومكشوفا لذلك كان لزاماً عليهم اتخاذ خطوة اخرى أكثر إحترازية ..!
لم تذهب الكوكبة الناجية من الموت المحقق الى ثكناتها ، بل سارعت إلى نقل معدات وادوات الموقع إلى مكان آخر اكثر أمنا وامانا ، بعيدا عن الأعين المتربصة ..!
حينها فقط تنفس الجميع الصُعداء ..!
( 4 )
هنالك بمنزل رئيس الدائرة الذي أصبح مزاراً يرتاده الاشاوس من كل حدب وصوب كأنه مسيد شيخ معتكف في محرابه الصوفيّ ، هنالك ورغم هول الفاجعة إلاّ ان الرفيق (مسبّل ) بروحه المرحة احآل لحظات الذهول المعشعشة في الاذهان والبائنة في العيون الى مسرح دراميّ حين دلف الجميع الى تناول الطعام ..!
إعاد( مسبل ) ذلك الدرامي الذي ضل طريقه الى جبهات القتال ، اعاد إنتاج صياغة المشاهد الصادمة الى فواصل من الدراما و المللوج الفكاهيّ الضاحك ..!
وماسقط من ذاكرة (مسبل) سهواً من حكيّ تم سرده بلسان اخرين بذات السيناريو المفضي الى الضحك والقهقهات حد البُكاء..!
تساقطت الدموع من فرط القهقهات..!
إبتلت المآقي والذقون ثم استغفر الجميع ربهم في الأعاليّ…!
هكذا تلاشت لحظات الفزع وسط قهقهات المجلس المُحْتشِد بالأشاوس..!
( 5 )
في ذات المساء ، حين ترسل الشمس إشارات الغروب كان رتل من السيارات ينخر عباب الاسفلت وهي تشق طريقها بين الحواري غير آبهة بتساقط الهاونات وضجيج السلاح وحين تبلغ سدرة منتهاها عند الارتكازات الملتهبة تترجل في لحظة تاريخية نادرة ذات الوجوه ..!
وبين لحظات الشك والريبة تشرع الدائرة بقيادة ربانها في توزيع وجبات افطار رمضان لرفقائهم في الارتكازات والمقدمات في مشهد تاريخي نادر جسّد روح الانتماء وعزز من الثبات وفتح مسارات جديدة في دروب النضال ..!
( 6 )
ولطالما ان الحرب هي صراع الذاكرة ضد النسيان كما قال ميلان كونديرا ، فانه لزاما علينا ان نستدعي تداعيات استشهاد الزميلين الشهيدين ( دهرين – حمدي ) اللذان فارقا الرفاق والحياة قبل ساعات معدودات من الانسحاب ..!
تركناهما هنالك في مرقديهما الابديين بمقابر الجريف تحت وطأة نزيف مسفوح على جنبات رمسيهما وكنا قبل ذلك اكملنا مراسم تشيع الشهيد حمدي بمنزل الزميل الفارس (ابورهف) قبل ان ندلف عقب ذلك مباشرة الى (مكتب) الدائرة لإقامة سرادق العزاء والمواساة ونحن قلة لانتعدى أصابع اليد الواحدة ..!
لحظات قاسية تلك التي تدفن فيها رفيقك ثم تدير ظهرك لمرقده الابدي لتواصل الحياة وتنغمس بعد حين في كل ملذاتها ..!
( 7 )
استجابة لمطالب بعض الزملاء (الغوالي) نُعلن عن هدنة من (طرفنا) ونُمسكُ عن فتح الملفات السوداء لبعض (أرانب السباق ) الى حين إنجلاء غبار المعارك ، ولكن بالمقابل لن نُرجّع السيف الجفيّر ،سنظل ننحت الصخر ، فإمّا فتحنا كوة للنور ، أو متنا على وجه الجدار ..!
بلاشك سنواصل الكتابة بعزيمة لاتُكسر وإرادة لاتلين عن اولئك الاشاوس حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الاسود وحتى يعرف صفوة الناس وعوامهم أصل الحكاية ، سنكشف عن خفايا واسرار و تضحيات هؤلاء العصبة من الابطال، قطعا لن نكلّ الحديث عن كشف الحقيقة الغائبة وعن اهمية الاعلام و دور تلك الدائرة (المنسيّة) في دك حصون ومعاقل الطغاة وإلقام كلابهم المسعورة حجارة من سجيل …!
( 8 )
نعود ونقول كان لزاما علينا ان نستهل هذه الدردشة بكتابة الصفحة الثانية من كتاب (دائرة الاعلام ) المفترى عليها التي مازال البعض يجتهد بأنفاس لاهثة وخبث بائن كي تصبح أثرا بعد عين ولكن هيهات ، هيهات ..!
موتوا بغيظكم ، الدائرة ستظل صامدة كزهرة طرية نبتت بين مفاصل صخرة ..!
*شاهد ملك :
*قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ
*وينكر الفم طعم الماء من سقمٍ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى