يوسف عوض الله عليان وغرب كردفان: من معركة الأرض إلى معركة بقاء الدولة
بقلم: فاطمة لقاوة
ليست كل المعارك التي تخوضها الشعوب تُحسم في ميادين القتال؛ فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية، تبدأ عندما تتراجع مؤسسات الدولة وتتوارى هياكلها التقليدية، وتجد المجتمعات نفسها أمام سؤال أكثر إلحاحاً: من يدير حياة الناس؟ ومن يمنع إنهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة؟
منذ إندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، لم تكن المناطق التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع أمام مجرد تحول في ميزان القوة العسكرية، بل واجهت فراغاً إدارياً وخدمياً بالغ التعقيد، وفي هذا السياق برزت الإدارات المدنية بإعتبارها إستجابة لضرورة فرضتها الحرب، ومحاولة لإيجاد صيغة محلية لتسيير شؤون المواطنين، والحيلولة دون تحول إنهيار مؤسسات الدولة إلى إنهيار كامل للحياة الإجتماعية والإقتصادية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس ما إذا كانت هذه الإدارات قد وُلدت في ظروف مثالية؛ فهي لم تفعل، وإنما ما الذي إستطاعت إنجازه؟ وما الذي أخفقت فيه؟ وما الذي يمكن البناء عليه في مرحلة الإنتقال؟
تمثل غرب كردفان واحدة من أكثر جغرافيات السودان تعقيداً من الناحية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، فهي ولاية النفط والمراعي والثروة الحيوانية، وممر إجتماعي وتجاري يربط كردفان بدارفور، وتتداخل فيها المصالح الإقتصادية والتوازنات القبلية والتاريخية، وقد جعلتها الحرب ساحة مفتوحة للتحولات العسكرية والضغوط الإنسانية، حيث تعطلت مؤسسات، وتقطعت طرق الإمداد، وتراجعت الخدمات، ووجد المواطن نفسه محاصراً بين مخاطر المواجهات المسلحة وضرورات الحياة اليومية.
في هذا المشهد المؤلم و المضطرب برز إسم الشاب “يوسف عوض الله عليان”، الذي تولى رئاسة الإدارة المدنية بغرب كردفان في سبتمبر 2024، في مرحلة لم تكن فيها المسؤولية منصباً مريحاً أو إمتيازاً سياسياً، بل مواجهة يومية مع واقع حرب إستثنائي شديد القسوة، وتكتسب هذه التجربة أهميتها من توقيتها وطبيعة التحديات التي واجهتها؛ فقد جاءت في أعقاب التحولات الميدانية التي شهدتها الولاية، وفي ظل فراغ إداري وخدمي واسع، ما جعل مهمة عليان تتجاوز إدارة المكاتب إلى محاولة إعادة تحريك مؤسسات الولاية، وتوفير الحد الأدنى من الإستقرار الإداري والإجتماعي.
المعركة لم تكن فقط معركة السيطرة على الأرض، وإنما أيضاً معركة منع سقوط المجتمع في الفراغ، وإعادة فتح نوافذ الخدمة أمام المواطنين، وهنا ينبغي التمييز بين من ينظر إلى الإدارة بإعتبارها إمتداداً للسيطرة العسكرية، ومن ينظر إليها بإعتبارها مسؤولية مدنية تفرضها حاجات المجتمع وضرورات بقائه.
قراءة تجربة يوسف عليان لا ينبغي أن تنحصر في موقعه الإداري، بل يجب أن تنظر إلى طبيعة المرحلة التي تولى فيها المسؤولية، وإلى حجم التحديات التي واجهت إدارته والتي تفرضها حاجات المجتمع وضرورات بقائه، والتي بموجبها تحول عليان من مسؤولية الميدان إلى مسؤولية المواطن، ففي ظل غياب الموارد المستقرة، وتراجع المؤسسات الخدمية، وصعوبة الحركة والإتصال، كان المطلوب إعادة تحريك أجهزة الإدارة المحلية، والإستفادة من الكوادر التنفيذية، وإشراك القيادات المجتمعية والإدارات الأهلية في معالجة الأزمات، ومن المحطات الدالة على هذا التوجه تدشين خدمة السجل المدني بمدينة الفولة في يناير 2025، بعد إنقطاع هذه الخدمة عن الولاية خلال فترة الحرب، وهي خطوة تتجاوز معناها الإجرائي؛ فالسجل المدني ليس مجرد وثائق وأوراق، بل مدخل أساسي لإثبات الشخصية والحقوق، والحصول على الخدمات، وحفظ الوضع القانوني للمواطنين، كما أن محاولة الحفاظ على إنتظام الأسواق والخدمات الأساسية، والتعامل مع قضايا النزوح والإحتياجات المعيشية، وإعادة تنشيط بعض الأجهزة التنفيذية، مثلت ملفات ضاغطة على الإدارة في تلك الظروف.
لا يجوز أن ننسب كل ما تحقق إلى شخص واحد؛ فقد شاركت في هذه التجربة كوادر إدارية وتنفيذية وأهلية ومجتمعية، بعضها عمل بعيداً عن الأضواء، لكن من الإنصاف أيضاً الإعتراف بمسؤولية القيادة التي تحملت إدارة هذه المرحلة، وفي مقدمتها يوسف عليان.
قيمة أي مسؤول لا تُقاس فقط بما يعلنه من مواقف، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الناس، وبقدرته على تحويل المسؤولية السياسية إلى إستجابة عملية لإحتياجات المجتمع.
من الخطأ التعامل مع الإدارات المدنية في مناطق سيطرة الدعم السريع بإعتبارها تجربة واحدة متطابقة في جميع الولايات، فلكل منطقة ظروفها وتركيبتها الإجتماعية وأولوياتها الأمنية والخدمية، ولكل إدارة سجلها الذي ينبغي إخضاعه للتقييم.
لقد أدت هذه الإدارات دوراً في محاولة سد الفراغ الإداري، وتنظيم بعض الخدمات والأسواق، وإعادة تشغيل مؤسسات محلية، لكنها واجهت أيضاً إشكالات حقيقية تتعلق بضعف الموارد، ومحدودية الصلاحيات، والتداخل بين القرار المدني والسلطة العسكرية المتعلقة بشأن الميدان العملياتي، وهنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في تقييم هذه التجربة: إلى أي مدى إمتلكت الإدارات المدنية إستقلالية القرار؟ وإلى أي مدى إستطاعت ممارسة سلطاتها بعيداً عن هيمنة المؤسسة العسكرية التي فرضتها ظروف الحرب القائمة؟
الإدارة المدنية لا تصبح مدنية بمجرد إطلاق هذا الاسم عليها، وإنما بمدى إستقلال قرارها، وخضوعها للمساءلة، وقدرتها على تمثيل المواطنين والتعبير عن أولوياتهم، ولا يمكن بناء حكم محلي حقيقي إذا ظلت إرادة المؤسسات المدنية مرهونة بتداخل القرار العسكري الميداني، أو إذا تحولت المناصب التنفيذية إلى مجرد واجهات لإدارة النفوذ والسيطرة، وهذا النقد لا ينفي الضرورة التي أوجدت الإدارات المدنية، ولا يلغي ما بذلته بعض قياداتها وكوادرها، لكنه يضع التجربة أمام إستحقاقها الحقيقي: الإنتقال من إدارة الضرورة إلى بناء مؤسسات مدنية ذات شرعية مجتمعية وقانونية، لا تستمد قوتها من السلاح فقط، بل من ثقة المواطنين وخضوعها للقانون.
قرار حل الإدارات المدنية والمجالس التأسيسية في خمس ولايات، من بينها غرب كردفان، الصادر في 30 أكتوبر 2026، يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل الحكم المحلي في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع،
وإذا كان الإنتقال إلى هياكل إدارية أكثر إنتظاماً يستند إلى أطر تشريعية واضحة تتعلق بحكومة السلام الإنتقالية، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية إنجاز هذا الإنتقال دون إهدار الخبرات المحلية، أو قطع إستمرارية الخدمات، أو إقصاء الكوادر التي عملت في ظروف إستثنائية، فلا ينبغي أن يكون حل المؤسسات مرادفاً لمحو التجارب، ولا أن تتحول إعادة الهيكلة إلى عملية إستبدال للأشخاص والواجهات دون مراجعة موضوعية للأداء.
من حق أهل غرب كردفان أن يسألوا: ماذا تحقق؟ وأين أخفقت الإدارة؟ وما مصير الكوادر التي حافظت على إستمرار العمل؟ وكيف ستضمن الهياكل الجديدة ألا يعود المواطن إلى نقطة الصفر؟
أي إنتقال جاد يجب أن يستند إلى تقييم معلن، ومحاسبة عادلة، وإستيعاب للكفاءات، وضمان تمثيل المجتمعات المحلية، لا إلى قرارات فوقية تكتفي بتغيير المسميات فقط، كما أن نجاح المرحلة الجديدة يتطلب حسم العلاقة بين المؤسسات المدنية والسلطات العسكرية، وتحديد الصلاحيات بوضوح، وضمان ألا تكون الإدارة المحلية مجرد إمتداد للقيادة الميدانية. الحكم المدني الحقيقي لا يقوم على تبديل الوجوه، بل على تغيير طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
تجربة الأستاذ يوسف عوض الله عليان تستحق أن تُقرأ في سياقها التاريخي والإداري، بعيداً عن التمجيد الشخصي أو التصفية السياسية، فقد كانت تجربة شاب وجد نفسه أمام مسؤولية إدارة ولاية أنهكتها الحرب، وسط غياب مؤسسات الدولة وندرة الموارد وتضارب الأولويات.
قد تختلف الآراء حول أدائه، وقد تكون هناك إخفاقات تستوجب المراجعة، لكن الإنصاف يقتضي ألا يُمحى ما بذله العاملون في تلك المرحلة، وألا تُختزل التجربة في قرار حل إداري، والأهم أن تتحول حصيلة التجربة إلى معرفة مؤسسية يستفيد منها من يتولون المسؤولية لاحقاً؛ لأن الدولة لا تُبنى من الصفر مع كل تغيير إداري، ولا تستقيم المؤسسات إذا أصبح كل إنتقال مناسبة لإلغاء ما سبق بدلاً من تصحيحه وتطويره.
غرب كردفان لا تحتاج إلى أسماء جديدة على أبواب المكاتب بقدر حاجتها إلى مؤسسات تحضر في حياة مواطنيها؛ تحتاج إلى إدارة تحمي الحقوق، وتعيد الخدمات، وتستعيد الثقة، وتضع الإنسان فوق الحسابات العسكرية والسياسية،أما يوسف عوض الله عليان، فإن تقييم تجربته يجب أن يكون بحجم المرحلة التي تحمل مسؤوليتها، وبميزان الإنجاز والإخفاق معاً. من الإنصاف الإعتراف بما تحقق، ومن الموضوعية مساءلة ما لم يتحقق، ومن مقتضيات الإنتقال ألا تُهدر الخبرات لمجرد إنتهاء التكليف، فالمناصب تتغير، والإدارات تُحل، والوثائق تُلغى، لكن السؤال الذي سيظل قائماً في غرب كردفان هو: من خدم المواطن عندما غابت مؤسسات الدولة؟ وكيف نضمن ألا يتكرر غيابها في المرحلة المقبلة؟
المعركة الحقيقية ليست فقط في تحرير الأرض أو إدارة المناطق، بل في تحرير القرار المدني من التبعية، وبناء مؤسسات تحكمها إرادة المجتمع والقانون، لا إملاءات و حسابات سياسية آنية، فلا ينبغي أن يخسر المواطن السوداني الدولة مرتين؛ مرة بفعل الحرب، ومرة بفعل سوء إدارة الإنتقال.
ولنا عودة بإذن الله
السبت،٣١إكتوبر/٢٠٢٣م



