Uncategorizedالرأي

البرهان … خطاب الضحية وكأنه لم يكن خلف كل ما حدث للسودان

 

يخرج البرهان بخطاب الضحية، ويتحدث وكأنه لم يكن خلف كل الأحداث التي حدثت للشعب السوداني، ويتحدث بلسان الشعب السوداني وكأن السودان مجرد جغرافيا محددة، متناسيًا أن الحرب في السودان ليست وليدة اللحظة، وأن هذا الشعب يعيش الحروب منذ أكثر من نصف قرن.

نصف قرن والسودانيون يموتون ويفقدون أعز ما يملكون؛ أرواحًا وأموالًا ومساكن وأحلامًا. قرى ومدن أُحرقت بالانتنوف، وأخرى دُمرت بواسطة مليشيات كانت تعمل تحت إشراف الجيش، وشعب كامل ظل يدفع ثمن سياسات السلطة والحروب المتكررة، بينما ظلت النخب الحاكمة تتبدل، ويبقى المواطن هو الخاسر الوحيد.

الشعب السوداني يعلم جيدًا من انقلب على الحكم المدني وعطّل التحول المدني الديمقراطي.

ويعلم من توافق مع الاتفاق الإطاري، ثم تراجع عنه عندما أصبح الانتقال المدني أمرًا واقعًا يقترب.

ويعلم من أشعل الحرب، ومن أشاع الفوضى، ومن فك السجون، ومن مارس القتل على الجغرافيا، ومن جعل العرق والقبيلة جزءًا من أدوات الصراع.

فهل ضحايا الجزيرة والكنابي ليسوا سودانيين؟

وهل أهل أم روابة ومليط والكومة وطرة وكتم وكبكابية ونيالا ليسوا شعبًا سودانيًا؟

من يعوض هؤلاء عن خسارتهم؟ من يعيد لهم بيوتهم؟ من يعيد إليهم أموالهم؟ ومن يعيد أبناءهم الذين فقدوهم؟

لماذا عندما نتحدث عن الضحية يتم اختيار ضحايا دون آخرين؟ ولماذا يتم التعامل مع دماء السودانيين وكأن بعضها أغلى من بعض؟

خطاب الضحية ليس هو المطلوب من السودانيين اليوم.

السودانيون يحتاجون إلى الصدق في المواقف، والثبات على العهد، ويحتاجون إلى من يعمل بجد من أجل رفع معاناتهم، وأول الطريق إلى ذلك هو إيقاف هذه الحرب اللعينة التي أهانت السودانيين وشتتهم في كل أصقاع الأرض.

السودانيون يريدون أن يعودوا إلى بيوتهم، إلى أعمالهم، إلى مدارس أبنائهم، إلى حياتهم التي سرقتها الحرب.

لكن المشكلة أن الذين يتحدثون باسم الشعب لا يعيشون بالضرورة معاناة الشعب.

أبناؤكم في تركيا والقاهرة، في مدن ومناطق آمنة لا يسكنها إلا القادرون على تحمل تكاليف الحياة فيها، بينما المواطن السوداني البسيط يواجه النزوح والجوع والخوف وفقدان الممتلكات.

ولهذا لا يبدو إيقاف الحرب بالنسبة لبعض أصحاب المصالح أولوية كما هو بالنسبة للمواطن الذي فقد كل شيء.

فإيقاف الحرب يعني بالنسبة لهم توقف مصالح اقتصادية كبيرة مرتبطة باستمرار الصراع، وبعلاقات مع دول صديقة ترى في السودان ساحة مصالح ونفوذ، بينما المواطن البسيط لا يعلم شيئًا عن هذه الحسابات، ولا يريد أن يعلمها أصلًا.

هو فقط يريد أن يعيش.

يريد أن يأمن على نفسه وأسرته.

يريد أن يعود إلى بيته.

يريد أن تتوقف الحرب.

أما السلطة، فتبدو وكأنها لا ترى في كل ذلك سببًا كافيًا للتراجع عن مشروع التمسك بالكرسي.

لكن التاريخ لا ينسى.

سيكتب التاريخ أن رجلًا حكم السودان، وفي عهده انتشر الفساد والجريمة والقبلية وخطاب الكراهية، وفي عهده اندلعت حرب نكلت بأهل السودان جميعًا، وشردتهم ودمّرت مدنهم وقراهم، ومع ذلك ظل متشبثًا بكرسي السلطة.

وسيكتب التاريخ أيضًا أن السودان كان يحتاج في تلك اللحظة إلى رجل دولة يضع البلاد فوق الكرسي، والشعب فوق السلطة، والسلام فوق الحسابات الشخصية.

لكن يبدو أن حلم السلطة، وإرضاء غرور الذات، وتحقيق حلم الوالد، كان أقوى من كل أصوات السودانيين الذين يطالبون بإنهاء الحرب.

والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام التاريخ:

كم كان يمكن إنقاذه من أرواح السودانيين لو أن السلطة اختارت السودان بدلًا من الكرسي؟

الشعب السوداني لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه.

الشعب السوداني يحتاج إلى من يسمعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى