
السعودية والسودان.. لماذا انحازت المملكة إلى طرف الحرب وتركت دماء السودانيين؟
المملكة العربية السعودية وقيادتها محل تقدير كل الشعوب الإسلامية، لما تمثله من مكانة دينية، ولما تحتضنه من قبلة المسلمين والحرم النبوي الشريف، ولقدسيتهما، فإن كل شعوب العالم الإسلامي لن ترضى بأي استهداف لهما أو تهديد لأمن المملكة واستقرارها.
عندما قامت الحرب في السودان، ومعلوم من أشعلها ووقف خلفها وأشاع خطاب الكراهية بين السودانيين، وهو ذلك التنظيم الذي يصنف عالميًا وعند المملكة بأنه تنظيم إرهابي، ظل هذا التنظيم متمسكًا وداعمًا لخيار الحرب، في جدة والمنامة، وكل محاولات الوصول إلى السلام.
وقد وقّع الكباشي، ممثل الجيش، على بعض التفاهمات، بينما قاطع التنظيم محاولات التفاوض في جنيف وغيرها، وكل ذلك لإفشال كل محاولات السلام. وقد اتضح أن لا قرار حقيقيًا للمؤسسة العسكرية، وأن التنظيم هو صاحب القرار، وهذا ما اتضح من خلال تحرك كتائب الإسلاميين في المسيرات، وتوجيه الخطاب، ومحاسبة حتى ضباط الجيش، كما حدث في خشم القربة، عندما وجه الناجي خطاب تهديد لضابط برتبة عقيد، وكان الضابط جالسًا أمامه في مشهد لا يليق بضابط في مؤسسة عسكرية.
وحتى قيادات التنظيم أصبحت تلعب أدوارًا ظاهرة، وتقدم خطابًا دون تحفظ، يوحي بأنها هي التي تدير المشهد العسكري، وأن برهان مجرد كومبارس في هذا المشهد.
والقريب في الأمر أن المملكة العربية السعودية كانت حاضرة في كل تفاصيل الثورة السودانية والانتقال المدني، من خلال سفيرها علي بن جعفر، الذي يعتبر بمثابة صندوق أسود لكل هذه التفاصيل. وإن لم يكن يلتف على الحقائق، فإنه، من خلال وجوده في الرباعية وعلاقاته واتصالاته، يعلم من الذي تراجع عن الاتفاق السياسي، ومن الذي أطلق الطلقة الأولى، ومن الذي أشعل الحرب، ومن استثمر في استمراريتها.
المملكة العربية السعودية، التي يفترض أن تلعب دور الحياد وتحقن دماء المسلمين، بكل أسف أصبحت، في نظرنا، طرفًا أساسيًا وداعمًا، بلا مواربة، سياسيًا أو دبلوماسيًا، وربما لوجستيًا.
فقد عملت، بحسب ما يتردد على نطاق واسع في الأوساط السياسية السودانية، على استمالة عدد من قادة تحالف السودان التأسيسي بالمال، وهذا أصبح حديث العامة. أما عن الدعم اللوجستي والعسكري، فقد أصبح معلنًا حتى من الجانب السوداني، دون اكتراث.
أما دبلوماسيًا، فقد ظهر ذلك من خلال تحركات نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، الذي حاول الالتفاف على موقف الاتحاد الأفريقي، وزيارته المعلومة إلى أديس أبابا، حيث عاد خالي الوفاض، ثم تحرك نحو مصر وتشاد وأفريقيا الوسطى، إلى أن ظهر الخطاب الأخير الذي أكد، في نظرنا، انحيازًا واضحًا إلى أحد أطراف الحرب.
ومعلوم أن قوات الدعم السريع استجابت لكل دعوات السلام، وسعت مع كل الشركاء للوصول إلى سلام، وأن عددًا كبيرًا من تلك القوات ما زال مرابطًا في نجران، حمايةً لأمن المملكة واستقرارها، وهو أمر يهمنا جميعًا.
هذه المواقف جعلت منبر جدة، في نظرنا، منبرًا غير محايد، ولا يعمل لمصلحة استقرار السودان وشعبه.
والذي نحب أن نقوله إن سلطنة دارفور كانت دولة ظلت تمد أياديها بالخير للمملكة العربية السعودية، باعتبارها رمزًا دينيًا للأمة الإسلامية، ولكن بدلًا من أن يُرد لنا ذلك خيرًا، كان الرد صادمًا، من خلال ما نراه من قتل لمواطنينا في نيالا وطرة ومليط وكتم وكبكابية والجنينة وزالنجي، بالطلعات الجوية والمسيرات التي تأتي، بحسب ما نعتقد، ضمن صفقات مشبوهة هدفها قتل أبناء وطننا.
ما زلنا نتعشم في حكمة قيادة المملكة العربية السعودية، وفي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أن تكون المملكة العربية السعودية كما نظن، وليس كما نراها الآن.
نريدها كما عرفناها: دولة شقيقة، وراعية للسلام، وحريصة على دماء المسلمين، وعلى أمن السودان واستقراره، لا طرفًا في حربٍ يقتل فيها السوداني أخاه .
محمد تاج الدين الحلو



