
سيرةُ مربٍّ صنع الأجيال وخلّد الأثر… الأستاذ عبدالله عبدالنبي محمد
د. مصطفى إبراهيم عبدالنبي
… سيرةُ عطاءٍ لا يخبو، ومسيرةُ حياةٍ نُسجت بخيوط الإخلاص والتفاني.
نشأ وترعرع في شمال دارفور، في بيئةٍ بدويةٍ قاسية، حيث الترحال سمة الحياة، وحيث تُنبت المعاناة صبرًا، وتُصقل التجاربُ الرجال. وكان من الرعيل الأول من أبناء الرحّل الذين اقتحموا ميدان التعليم في أربعينيات القرن الماضي، يوم كان طلب العلم دربًا وعرًا لا يطرقه إلا أولو العزم والإيمان الراسخ.
ومن تلك البدايات، انطلقت رحلته التعليمية حتى تخرّج في بخت الرضا مطلع خمسينيات القرن الماضي، في زمنٍ كان فيه المعلم منارة هدى، ورمزًا للوقار، وعنوانًا للرقي الاجتماعي. وقد بلغ من النبوغ ما أهّله لدخول كلية غردون، غير أنه آثر التضحية، مقدّمًا مصلحة أسرته وأبناء مجتمعه، الذين حُرموا من نعمة التعليم، على طموحه الشخصي، إيمانًا منه بأن رسالته أسمى وأبقى.
ومن ثم بدأ رحلته الخالدة في ميدان التربية والتعليم، فكان له الباع الطويل والقدح المعلّى في إدخال أبناء الرحّل إلى المدارس، مؤمنًا بأن العلم هو السبيل الأقوم لنهضة الإنسان وصون كرامته.
تنقّل، رحمه الله، في أرجاء السودان، حاملاً رسالته السامية؛ فكانت له بصماتٌ مضيئة في مريدي الحالمة، وفي إنذارا، وفي مدن الجنوب الحبيب، حيث غرس بذور العلم في أرضٍ عطشى، وأيقظ في النفوس أشواق المعرفة. ثم ارتحل إلى شرق السودان، إلى كسلا، بين السواقي ونهر القاش وجبال توتيل، فكان هناك رسول علمٍ ومحبة، تعرفه السبورة والطبشيرة قبل أن يعرفه تلاميذه.
وفي دارفور، جاب المدن والقرى والبوادي، مبشّرًا برسالة التعليم، لا يكلّ ولا يملّ، حتى استقر به المقام في الجنينة، دار أندوكة، حيث غدا بيته مقصدًا للضيوف وطلاب العلم والأهل، دون تفريقٍ أو تمييز. وتدرّج في سُلّم الوظيفة حتى تقلّد منصب مدير التعليم ومشرفًا عامًا، وظلّ في عطائه المتصل حتى أحيل إلى التقاعد عام 1992م، بعد أن خلّف وراءه إرثًا عظيمًا من الأجيال التي نهلت من علمه وتربّت على يديه.
ثم كانت محطته الأخيرة في الخرطوم، في أقاصي شمال أم درمان، في منزلٍ متواضعٍ عامرٍ بالقناعة والرضا، يقيه حرّ الصيف وبرد الشتاء، وتحيط به أسرته الكريمة. عاش كريمًا، ورحل عظيمًا، طاهر السيرة، نقيّ السريرة، عفيف النفس.
نرثيك اليوم يا عمّي الحبيب، وقد أثقل الفقد قلوبنا، واعتصر الألم أفئدتنا، غير أنّ عزاءنا فيك أنك خلّفت أثرًا لا يُمحى، وسيرةً لا تُنسى. كنت سندًا للجار، وغوثًا للمحتاج، وناصحًا للقريب والبعيد، تجمع بين الصرامة في الحق واللين في المعاملة، وبين الحزم والرأفة.
كنت لي أبًا وأخًا وصديقًا… منك تعلّمت، ومن معينك نهلت، وعلى يديك عرفت كثيرًا من تاريخ بلادي، لا سيما تاريخ دارفور، الذي وثّقته في مؤلفاتٍ ومذكّراتٍ بالغة القيمة. كنت محدّثًا بليغًا، وقاصًا بارعًا، تُحيي بسردك القلوب، وتُنشئ بالمعنى حياةً جديدة. حدّثتني عن تجاربك في الجنوب والشرق، وفتحت لي أبواب الأدب العالمي، من شكسبير إلى لامارتين وموسيه وهوغو، كما عرّفتني بفحول الشعر العربي، من البحتري وجرير إلى طرفة والفرزدق والأخطل، مرورًا بأصحاب المعلقات كامرئ القيس وعنترة بن شداد… فكنت مدرسةً قائمةً بذاتها.
أعدك يا عمّي وعدًا صادقًا أن أُخرج مؤلفاتك التاريخية إلى النور، وقد كنت أتمنى أن يتم ذلك في حياتك، ولكنها مشيئة الله: (لكل أجلٍ كتاب). وأعدك أن تبقى وصاياك حيّةً في وجداني ما حييت، فهي دروسٌ صيغت بصدق، وكُتبت بماء الذهب، وخرجت من قلبٍ محب إلى قلبٍ مخلص.
رحلتَ يا عمّي الحبيب، الأستاذ عبدالله عبدالنبي محمد، جسدًا، غير أنك باقٍ أثرًا وذكرى، وسيرةً عطرةً في القلوب والعقول. نسأل الله أن يتغمّدك بواسع رحمته، وأن يجزيك خير الجزاء عمّا قدمت لوطنك وأهلك، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتك.
وكنتَ آخر الأعمام السبعة الذين مضوا إلى ربهم، نسأل الله أن يتغمّدكم جميعًا بواسع رحمته، وأن يُسكنكم فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يجمعنا بكم في الفردوس الأعلى، وأن نرتوي جميعًا من يد الحبيب المصطفى شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
ونحن نودّعك، لا نودّع رجلًا فحسب، بل نودّع مرحلةً من القيم النبيلة، وسيرةً كانت تمشي بين الناس حيّةً ناطقة. نودّع وجهًا ألفناه في مواطن الخير، وصوتًا اعتدناه ناصحًا وموجّهًا، وقلبًا كان يسع الجميع دون استثناء،
لقد كنت مدرسةً في الخُلق قبل أن تكون مدرسةً في العلم، ومثالًا يُحتذى في الصبر والتواضع والزهد، ولم تُغيّرك السنون، بل ازددت بها رسوخًا وثباتًا، كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وسيبقى ذكرك، يا عمّي، حيًّا في المجالس، مترددًا على الألسن، حاضرًا في الدعوات، ومغروسًا في وجدان كل من عرفك أو تتلمذ على يديك. وسيبقى عطاؤك ممتدًا ما امتدّ أثر العلم، وما تعاقبت الأجيال التي غرست فيها بذور المعرفة.
نم قرير العين، فقد أدّيت الأمانة، وبلّغت الرسالة، وخلّفت من بعدك إرثًا لا يُقدّر بثمن.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وجزاك عنّا وعن كل من علّمت وربّيت خير الجزاء.
منفذ للخروج:
يُذكّرني طلوعُ الشمسِ عمّي
وأذكرُهُ لكلِّ غروبِ شمسِ
ابنك المحب/
د. مصطفى إبراهيم عبدالنبي
أبريل 2026م



