Uncategorizedالرأي

فات الأوان يا برهان

بقلم: آدم الحاج أديب



كيف لقائدٍ يتجرع، وفق التطورات الميدانية المتلاحقة، خسائر وانحسارات عسكرية متتالية، أن يطرح شروطًا تعجيزية للسلام، وكأن موازين الحرب تمنحه موقع المنتصر الذي يفرض شروطه على خصمه؟

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا أمام التطورات الأخيرة وسقوط أو فقدان السيطرة على عدد من المناطق، من قيسان والكرمك وأم عردة وجبرة الشيخ والهشابة وغيرها، مع تصاعد المخاوف من اقتراب المعارك من الأبيض. فهل ما زال البرهان يقرأ الواقع من داخل غرف القيادة العسكرية، أم أنه يغرد خارج سرب الواقع؟ أم أن خطابه يقدم رواية مضللة للمجتمع السوداني والمجتمع الدولي، تتجاهل حقيقة الميدان وحجم الكلفة الإنسانية المتزايدة للحرب؟

المشكلة ليست في أن يرفع القائد معنويات قواته أو أن يخاطب مؤيديه بلغة الصمود؛ فهذا مفهوم في سياق الحرب. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطاب العسكري إلى سياسة دولة، وتصبح الشعارات بديلاً عن الاعتراف بحقيقة الأزمة وضرورة البحث عن تسوية سياسية.

ومنذ اندلاع الحرب، ظل خطاب البرهان، في جوهره، أسيرًا لمنطق «النصر الكامل» و«لا تفاوض قبل تحقيق الشروط»، بينما كانت البلاد تنزلق يومًا بعد يوم إلى مزيد من القتل والنزوح والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا أصبح الخطاب الصفري أحد العوامل التي أطالت أمد الحرب وضيقت مساحات الحل السياسي.

والبرهان، في ذلك، لا يفعل سوى تكرار أخطاء من سبقوه من القادة العسكريين، وفي مقدمتهم عمر البشير؛ إذ ظلت السلطة العسكرية تراهن على الحسم بالقوة، وترفض الاعتراف بأن الأزمات السياسية لا تُحل بالمدافع، وأن إطالة الحرب لا تؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة وتوسيع دائرة خصوم النظام. وقد انتهى ذلك النهج في عهد البشير إلى عزل الدولة عن شعبها، وإضعاف مؤسساتها، وتراكم الأزمات حتى انفجرت في نهاية المطاف.

واليوم يبدو أن البرهان يعيد إنتاج المنهج ذاته، بالاعتماد على القوة العسكرية والخطاب الصفري، بدل الاعتراف بأن السودان يحتاج إلى تسوية سياسية تاريخية تعيد تأسيس الدولة على قواعد جديدة.

لقد سقط البشير لأنه لم يتعلم من دروس التاريخ، وليس من الحكمة أن يكرر البرهان الخطأ نفسه ثم ينتظر نتيجة مختلفة.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه البرهان اليوم ليس: كيف ننتصر في الحرب؟ بل: كم بقي من السودان حتى ننتصر؟

فالحرب ليست معركة بين البرهان وقوات التحالف التأسيسي فحسب؛ إنها عملية استنزاف للدولة نفسها. وكلما طال أمدها، اتسعت الفجوة بين مكونات المجتمع، وتحولت الاستقطابات السياسية إلى انقسامات اجتماعية وعرقية قد يكون علاج آثارها أصعب من إنهاء الحرب ذاتها.

إن الشروط التعجيزية لا تصنع سلامًا، بل تؤجل الحرب وتمنحها وقودًا جديدًا. والسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على فرض إرادة طرف واحد، ولا على انتظار حسم عسكري كامل أصبح، بعد كل هذه السنوات من الحرب، أكثر كلفة على السودان من أي وقت مضى.

ولهذا فإن مطلب السلام الحقيقي يبدأ بإخراج السلطة السياسية من قبضة العسكريين، وعزل البرهان عن ممارسة السلطة السياسية، وفك ارتباط المؤسسة العسكرية بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وواجهاتهما وكتائبهما، وإعادة تأسيس الجيش كمؤسسة وطنية قومية، لا كأداة في صراع سياسي أو مشروع حزبي.

كما أن أي تسوية جادة لا بد أن تفتح الطريق أمام حوار سوداني ـ سوداني شامل، بضمانات إقليمية ودولية، تشارك فيه القوى السياسية والمدنية والمجتمعية دون إقصاء، باستثناء من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات، لوضع رؤية واضحة للانتقال القادم وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.

لقد دفع المواطن السوداني ثمنًا باهظًا لهذه الحرب: أرواحًا أُزهقت، ومدنًا دُمّرت، وملايين شُرّدوا، ونسيجًا اجتماعيًا تمزق، واقتصادًا ينهار، ودولةً تتآكل مؤسساتها أمام أعين الجميع.

لذلك فإن الاستمرار في إنتاج الخطاب نفسه، ورفع سقف الشروط نفسها، لن يقود إلى السلام، بل إلى مزيد من الانهيار.

فات الأوان يا برهان؛ ليس لأن باب السلام قد أُغلق، وإنما لأن الزمن الذي كان يمكن فيه إنهاء الحرب بأقل كلفة قد مضى. وكل يوم جديد من الحرب يجعل فاتورة السلام القادم أكثر قسوة وتعقيدًا.

والخيار الحقيقي اليوم ليس بين انتصار البرهان وانتصار قوات التحالف التأسيسي، وإنما بين إنقاذ السودان وتركه يغرق أكثر في ركام الحرب.

ومن تحت هذا الركام، لا بد أن يولد السودان الجديد: دولةً مدنية ديمقراطية، ومؤسساتٍ وطنية، وجيشًا قوميًّا، وسلامًا عادلًا مستدامًا، ومصالحةً وطنية تتجاوز مرارات الماضي وتفتح الطريق أمام مستقبل يتسع لجميع السودانيين.

15 أغسطس 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى