
نيالا.. من بين الركام تولد عاصمة السودان الجديد
مدينة نيالا أم المدائن، فقد عُرفت بخضرتها وطيبة مجتمعها، حيث لا مكان للقبيلة، فقط أبناء نيالا في التعريف، وظلت المدينة نموذجاً للتعايش والتآخي بين مكوناتها الاجتماعية.
ومن أجمل الأحياء التي شكّلت ملامح المدينة: حي الوادي، والسنماء، والامتداد، والجمهورية، والمزاد، وشم النسيم، والكنغو، وخرطوم بليل، والسد العالي، وتكساس، وكوريا، ويفصل بينها وادي برلي الذي يضفي ألقاً وجمالاً على المدينة، وأحياء أخرى.
هذه المدينة الجميلة تعرضت لتخريب ممنهج وقصف عشوائي من المدعو جودات، حيث طال القصف الأحياء السكنية، وسقط عدد من المواطنين، ومن بينهم عدد من قدامى المعلمين الذين كانت لهم إسهامات معلومة في مسيرة التعليم، الأستاذ حامد سعد، والأستاذ باخت، وآخرون يفوق عددهم العشرات من المعلمين.
ولا ننسى الحادثة الشنيعة التي قُتل فيها 52 شخصاً تحت كبري السكة الحديد، إضافة إلى قصف الأنتنوف الذي حوّل بيوتاً كاملة إلى ركام، وترك خلفه مآسي وجراحاً لا تزال في ذاكرة أهل نيالا.
ومعلوم أن نيالا مركز تجاري مهم، وتضم أكبر كتلة نقدية في دارفور، كما أن عدد البنوك التجارية فيها كان يضاهي العاصمة، ولكن بكل أسف تعرضت هذه البنوك للاستيلاء، وتمت السيطرة على الكتلة النقدية بواسطة جودات وقادته الذين أصروا على الحرب والتصعيد والقصف المدفعي، رغم مناشدات أهل نيالا، ومبادرة اللواء بيرق، وحكماء نيالا الذين سعوا إلى إيقاف نزيف الدم وتجنيب المدينة المزيد من الدمار.
وتعرضت المدينة كذلك لعمليات نهب وتخريب ممنهج للمؤسسات بواسطة مجموعات متفلتة روعت المواطنين، وألحقت أضراراً كبيرة بمقدرات المدينة ومؤسساتها، إلى أن تم تحرير المدينة ودارفور بالكامل.
واليوم، نيالا تستعيد ألقها وجمالها، وتستعيد معها الأمن والاستقرار، وتبدأ مرحلة إعادة تأهيل المؤسسات الحكومية، وتفتح أبوابها من جديد أمام الحياة.
نيالا التي احتضنت تصحيح وإعلان الشهادة السودانية، أصبحت عاصمة إدارية لحكومة السلام التأسيسية، وأصبحت المدينة التي تتجه إليها الأنظار باعتبارها واحدة من أهم مراكز المرحلة الجديدة.
نيالا التي أرادوا لها الدمار أصبحت رمزاً للتحرر، ورمزاً للشعوب الحرة التي لا تعرف الخنوع، ولا تقبل أن تكون رهينة للحرب أو مشروعاً للخراب.
إن الإرادة السياسية لقيادة حكومة السلام برئاسة الفريق محمد حمدان دقلو، ونائبه عبدالعزيز الحلو، وقيادات التحالف التأسيسي، جعلت من نيالا سوداناً مصغراً، ومن المدينة نقطة انطلاق في مشروع السودان الجديد.
نيالا اليوم لا تستعيد مبانيها ومؤسساتها فقط، وإنما تستعيد دورها ومكانتها ورسالتها.
ومن أراد لنيالا أن تكون مدينة للركام، عليه أن ينظر إليها اليوم؛ فقد تحولت من مدينة مستهدفة بالدمار إلى مدينة تحمل راية السلام، ومن عاصمة للحرب إلى عاصمة لمشروع جديد.
نيالا.. المدينة التي أرادوا دفنها تحت الركام، فخرجت من بين الأنقاض لتكتب بداية السودان الجديد .
نواصل



