
فاطمة لقاوة تكتب الصادقون لا يخذلون الثورة!”
في هذا الزمن المائل على جراحه، يصبح النصّ الصادق فعلاً مقاوماً، والكلمة الحرة طلقة في وجه النفاق السياسي.
هذا ما فعله الشاعر والمفكر فضيلي جماع في مقالته الأخيرة التي كتبها من كمبالا، مدينة المطر والهواء الطلق،و التي لم تكن يوميات عابرة،بل شهادة مثقف نقي في زمن الدم والخذلان.
جمّاع!كما عرفناه دوماً، لم يكن يوماً من كُتاب البلاط، بل ظل حارساً للكلمة الشريفة،وفي كمبالا، كتب بأسلوبه المتفرد شهادة عن مدينة أفريقية تنفض عنها غبار الحرب وتختار السلام والتنمية.
لكن النص لا يقف عند وصف جمال المدينة فقط، بل ينتصر ضمنيًا لجوهرٍ عميق:أن لا خلاص من جحيم السودان إلا بالحوار، وأن الوطن ليس ضيعة تُدار من بورتسودان و الخرطوم، بل هو فسيفساء تشارك في تشكيلها كل القرى والمنافي والجبال.
هنا تتقاطع شهادة جمّاع من كمبالا، مع صدق المقاتل البسيط من البادية: الجنرال محمد حمدان دقلو.
كلاهما، من موقعه، يدفع ثمن الحلم بوطن جديد: جمّاع بالكلمة، وحميدتي بالدم.
الكثير من النخب التي تقتات على ذاكرة المركز، تسعى إلى شيطنة حميدتي لا لأنه انقلب على الثورة، بل لأنه حماها حين تآمرت عليها نخب الخرطوم وكيزانها.
حميدتي لم يأتِ إلى الساحة بصفقة مشبوهة أو إرث حزبي، بل جاء من صلب الوجع، من قلب البادية التي لطالما احتقرتها النخبة، ثم إستيقظت ذات صباح لتكتشف أن من يحرس أحلام البسطاء هو رجل من دارفور، لا من قصور الخرطوم.
إن الذين يشنّون عليه الحرب اليوم، إنما ينتقمون منه لأنه منح الثورة سلاحها الأخير حين تخلى عنها الجميع.
هم يعلمون أن هذا المقاتل، الذي لم يكن يوماً من أبنائهم، فضح
مشروعهم الكاذب في السلطة، فقرروا استئصاله من ذاكرة الوطن.
لكن حميدتي، كجمّاع، أدرك أن الوطن لا يُبنى بخطب المجالس، بل بالفعل: حواراً كان أو بندقية تحرس خيار الناس.
ما يفضحه النص العميق لفضيلي جماع، ويؤكده موقف حميدتي في الميدان، هو أن المشكلة في السودان ليست في الجغرافيا أو الشعب، بل في نخب كاذبة.
نُخب تبيع كل شيء في السوق الأسود للسلطة، لكنها لا تستطيع شراء ذرة من المصداقية،أين كانوا حين طُعنت الثورة؟
أين هم الآن، من أحلام الشباب المشرد، والنساء الثكالى، والبلاد المنهوبة؟
يكتب فضيلي جمّاع بحزن شفيف:
“العالم من حولنا يطير، بينما يحفر البعض للسودان قبراً.”
ولعل الذي يحفر القبر ليس هو العدو المباشر فحسب، بل النخب التي جعلت من الخيانة وجهة نظر، ومن السكوت موقفًا وطنياً.
في كمبالا، وقف جمّاع وسط السودانيين يقرأ شعراً ويستمع لأسئلتهم، مدهوشاً من وعيهم وإصرارهم،و في قلب السودان، يقف حميدتي يواجه أعتى آلة موت -حرب الكيزان ومن معهم من شواطين بورتسودان- كي لا يُسرق الحلم من جديد.
كلا الرجلين، رغم المسافة والوسيلة، يلتقيان في الإيمان بأنّ هذا الوطن يستحق الحياة، ويستحق أكثر من نخبه التي ما زالت تحرس الخراب.
لا فضيلي جماع جاء يطلب مجداً،
ولا حميدتي يقاتل ليحكم.
كلاهما – في لحظة سقوط القيم – ينوب عن وطنٍ تم اختطافه من نخبه وأحزابه ورجال قصره.
نصّ كمبالا ليس مجرد مديح لمدينة، بل صرخة شاعر في وجه النسيان،وموقف حميدتي في الميدان ليس سلاحاً فحسب، بل بيان سياسي من رجل رفض أن يكون شاهد زور على انقلابٍ جديد باسم الوطن.
هذا هو السودان الذي نؤمن به:
سودان يحرسه المثقف بالكلمة، والمقاتل بالصدق.
السبت 28 يونيو 2025م



