Uncategorizedالرأي

نائب والي جنوب كردفان المُستقيل الأستاذ محمد علي محمد يكتُب السودان ..غياب العقل الأستراتيجي المُدبر و المُعاصر !!



ظللت لفترة طويلة منذ أندلاع الحرب ،أتابع النشاط السياسي السوداني و المبادرات الوطنية و الخارجية بحب و خوف … حبيّ له لأنني سوداني أربد للحق و الخير أن يسود ، و أن يقوم السودان من عثرته التي طالت ! و خوفي عليه لأن الأعداء خُبثاء أقوياء أغنياء يريدون الأجهاز على السودان الجريح ، و إنتهاز الفرصة التي لاحت بعد طول أنتظار أو طول تدبير …..!
إن المدافعين الصادقين عن السودان لا ينقصهم غالباً الحماس و الإخلاص و إنما ينقصهم عمق التجربة و حسن التخطيط .
إنهم يحسبون أن حال السودان اليوم وَليدُ عللٍ عارضة ، و من السهل إزالتها في أيام معدودات ، أو على الأكثر في بضع سنين …ثم يعود السودان إلى مجده الأول أيام كان (مُعلم) الشعوب في كل المناحي .
و ما على الشباب إلا أن يتقدم و يُقاتل و يُحطم ما أمامه من عوائق ، و سوف يبتسم له النصر بعد مرحلة أو مرحلتين !!….
و هذا الإستعجال كان وراء متاعب كثيرة و خسائر ثقيلة لثورة ديسمبر المجيدة و أهدافها بل ربما زاد خصومها تمكيناً و ضراوة ….!
إننا نحن السودانيون نتقهقر من عدة سنوات ، و كأننا في معركة أنسحاب منذ سنين طوال ، و قد قاوم الأجداد و الأباء و الأعقاب ، وورثنا نحن الثورة و المقاومة الباسلة النبيلة ، و كسبنا مواقع و خسرنا أخرى …
و أرى أنه لابدَّ من دراسة شاملة لأسباب تقهقرنا الأقتصادي و السياسي و العسكري و المدني ، و ما هي العناصر الحيوية التي فقدناها حتى دهانا ؟ لابد من بصيرة فاحصة متعمقة تتدبَّر ثقافتنا و تُنقَّي منابعها ! و تنقد مستوانا الأخير ، و نستكشف أسباب هبوطه !
و نعمل لإعادة ترتيب العقل السوداني ، و تخليصه من النظرات الجزئية المتناثرة ، و عجزه عن مواجهة مشكلاته ، و تحدياته ، الداخلية منها و الخارجية ، على ضوء رؤية أستراتيجية ذات دراية و فقه ، بعيداً عن المواقف و التصرفات الانفعالية الخطابية غير المتوازنة التي لا تخرج عن كونها ومضات أنية تحرك العاطفة و لا تهدي العقل ، ومن ثم تتركها لعبث الأهواء و تقاذف الأمواج .
لابد من إعادة ترتيب للعقل السوداني الاستراتيجي المُدبر المعاصر ، حتى يتمكن من تحقيق النظرة الكلية للأشياء ، و القدرة على تصنيف المشكلات ، ووضع سلم منضبط لقضية الأولويات ، و توفر الجهود و الطاقات ، و توجهها إلى المجالات المجدية من خلال الصورة العالمية بكل تعقيداتها و تشابكها ، و تطوير وسائل الممارسة السياسية بما تقتضيه الحال ، و اختبار الأسلحة القديمة ، لأن بعضها أصبح يتحرك في الفراغ ، يصول و يجول في معارك وهمية أنتهت بأصحابها و أسلحتها و قد تغيّر الحال .
لقد تبدلت مشكلات العالم ، و تبدلت أسلحته ، و نحن ما زلنا نصرُّ على مواجهة المشكلات الجديدة ، و الدخول في المعارك الجديدة ، بالأسلحة و الوسائل القديمة ، التي أقل ما يقال فيها : إنما وجدت لغير هذه المعارك و غير هذه المشكلات .
و ما زالت تلك الهزائم تُسلمنا من هزيمة إلى أخرى ، على مختلف الأصعدة ، و لولا بعض الحصون القديمة التي بُنيت لنا نلوذ بها و نحتمي فيها لأصبحنا أثراً بعد عين .
لابد من إنتهاء أحلام اليقظة في حياتنا ، و التي ما زالت تسيطر على قطاعات كبيرة في السودان ، و الوصول إلى اليقظة غير الحالمة ، بكل مقوماتها ، و نستطيع أن نقول إلى حد بعيد : أن جيل اليوم ، جيل ثورة ديسمبر المجيدة ، أحسن الدخول في سن التمييز ، لكنه إلى الأن لم يحسن الخروج منه ، و الإنتقال إلى مرحلة الرشد التي تلي مرحلة التمييز ، لقد كان عطاء سن التمييز طيباً ، حقق لنا ثورة ديسمبر و الأعتزاز بأهدافها ، و الإستعلاء به و الثقة بقدرته ، بعد أن كادت تغتالنا مذاهب الشياطين ، لكن التغيير الذي حدث يقتضي حركة منضبطة مع مباديء و قيّم و أهداف الثورة ( حرية _ سلام _ عدالة ) يقتضي سلوكاً رشيداً يأخذ بأعتباره كل الظروف المحيطة إلى جانب الوسائل المتاحة ، و ليست الأستراتيجية في حقيقتها إلا القدرة على التصرف بالإمكانيات المتاحة من خلال الظروف المحيطة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى