
مهدي عبدالله حامد: يكتب منفستو الوعي: من “المدينة الرياضية” إلى هندسة الدولة السُّودانية
*عبقرية الفطرة للجنرال حميدتي في تحويل “الدفاع عن النفس إلى “ثورة التأسيس”*
*حكمة رجل البادية في مواجهة الكلية الحربية: هزيمة “أدلجة القوة” لصالح “صدق القضية”*
*إلامتداد التاريخي: جسارة أسطورة محاربو الجاهزية مواصلة لتاريخ المهدي*
*منفستو الوعي:*
بدأت الرحلة من لحظة “المدينة الرياضية” كفعل للدفاع عن النفس والوجود ضد محاولات الغدر والتصفية، لكن عبقرية الجنرال تجلت في تحويل هذه المعركة الوجودية إلى “ثورة تأسيس”. لم يعد الهدف هو البقاء العسكري فحسب، بل أصبح الهدف هو “هندسة الدولة السودانية” على أسس جديدة؛ لقد استطاع حميدتي صياغة وعي سياسي جديد لدى مجتمعات كانت منسية، ناقلاً إياها من حالة “الاستغلال بالتغييب” إلى مرحلة “القيادة والمطالبة بالحقوق المواطنية الكاملة”
*عبقرية الفطرة للقائد:*
يمثل الجنرال “حميدتي” ظاهرة سياسية خارجة عن مألوف “الصالونات الخرطومية” الضيقة؛ فهو يحمل صفات ابن البادية الأصيلة: الصدق المباشر الذي لا يعرف المواربة، الفراسة في قراءة الخصوم، والصبر الاستراتيجي المستمد من حياة الصحراء؛ هذه الصفات لم تكن مجرد سمات شخصية، بل تحولت إلى “أدوات حكم” استطاع من خلالها مخاطبة وجدان الملايين ممن جُرِّدوا تاريخياً من حقهم في مياه الشرب النقية والتعليم، ليجدوا فيه صوتاً يكسر احتكار “النخبة المستغفلة” لموارد الدولة.
*زلزال 15 أبريل: تحويل “الغدر” إلى “تأسيس”*
حين قرر جيش الحركة الإسلامية بدء الهجوم في “المدينة الرياضية”، كان الرهان على سحق قوات الدعم السريع في ساعات، لكن “الخبرة البدوية” للجنرال حميدتي قلبت الطاولة؛ حيث وظّف مفهوم “الحق في الوجود” لينتقل من حالة الدفاع الصرف إلى هجوم سياسي وفكري شامل؛ لم تعد المعركة مجرد اشتباك عسكري، بل أصبحت ملحمة لتصحيح الاختلالات التاريخية ، لقد استطاع حميدتي، وبحصافة سياسية، أن يحول طاقة المقاتلين من “حماية مؤسسة الدعم السريع” إلى “بناء دولة”، فارضاً واقعاً جديداً ينهي عصور التهميش.
*تحالف التأسيس: انصهار الهوامش في قلب المركز*
بذكاء فطري، أدرك حميدتي أن القوة الضاربة لا تكتمل إلا بـ الحاضنة الاجتماعية الشاملة. لذا، لم ينغلق في إطاره الجهوي، بل مدّ جسور التحالف مع القوى الحية من شرق السودان، وشماله، وجبال النوبة، وإقليم الفونج، وصولاً إلى كردفان ودارفور. هذا “التحالف التأسيسي” هو الذي أعطى للحرب صبغتها الثورية، محولاً إياها من نزاع مسلّح إلى ثورة وعي تهدف لاسترداد السودان من مختطفيه التاريخيين.
*نهاية عهود الاستغفال السياسي*
إن ما يفعله حميدتي اليوم هو كتابة التاريخ بمداد “الحقيقة المرة” التي حاولت النخب إخفاءها طويلاً؛ لقد أثبتت التجربة أن الصدق البدوي كان أمضى سلاحاً من المناهج الأكاديمية التي تُدّرس في الكليات الحربية لقهر الشعوب؛ إنها لحظة “السودان الجديد” الذي يتأسس على أنقاض الهيمنة، بقيادة رجل استنهض المنسيين ليصنع بهم مستقبلاً لا مكان فيه لسيد ومسيود حيث كل الناس هنا سواسية وبالقانون .
*دهاء رجل البادية الذي هزم خبث الكلية الحربية*
اعتقدت النخب المركزية في السودان أن التاريخ يُصنع داخل الغرف المغلقة وفي أروقة الكليات الحربية التي صُممت بوعي إقصائي تراكمي؛ ولكن التاريخ، في مكرِهِ المعهود، غالباً ما يأتي بقادة التغيير من الجغرافيا التي جرى تغييبها ومن المجتمعات التي استُغلت بالصمت والتهميش؛ وهنا وعكس مخططات المركز برز “حميدتي” كظاهرة سياسية وعسكرية لم تكن مجرد رد فعل على أزمة، بل كانت “مفاجأة السماء والتاريخ” لتفكيك بنية دولة الامتيازات التاريخية ؛
لم يُكن حميدتي نتاجُا للمناهج العسكرية التقليدية التي شابتها لآجال طويلة أمراض المحسوبية والهيمنة العرقية والطبقية ؛ بل كان حميدتي نتاجاً لـ “عبقرية الفطرة” وصهر الطبيعة القاسية التي تصقل معادن الرجال ؛ لقد قدم حميدتي “مدرسة المحارب الصادق”، التي أثبتت ميدانيًا وأخلاقيًا أن الالتزام بقضايا المظلومين والصدق في التوجه يتفوق على العقائد العسكرية الجامدة التي تخدم الأنظمة لا الشعوب؛ بهذا المعنى، هزم حميدتي “ذهنية الكلية الحربية” القديمة، لا بالرصاص وحده، بل بقدرته على استنهاض كتلة بشرية كانت خارج حسابات السياسة، وتحويلها إلى فاعل أساسي في قيادة التغيير الجذري.
*الامتداد التاريخي: تتجدد أسطورة الجاهزية في جسارة المهدية*
لا يمكن قراءة اصطفاف القوى الاجتماعية حول حميدتي بمعزل عن التاريخ السوداني العريق ؛ إنها ذات القوى التي شكلت عماد “الثورة المهدية”، وهي القوى المقاتلة تاريخياً التي تمتلك مخزونًا من البسالة والزهد في الموت سبيل التحرر ؛ ربط حميدتي اليوم بين “الماضي الذي كان نضال لتحرير الوطن من الاستعمار الأجنبي الخارجي مع نضال الحاضر لتخليص الوطن من عصابات الإرهاب والإجرام الداخلي ؛ حيث يلتقي الإيمان بالقضية العادلة؛ لقد نجح القائد البدوي الحكيم في تحطيم جدار الخوف والوهم الذي أحاطت به النخبة نفسها، ليفتح الباب واسعاً أمام رصيد بشري ضخم من أبناء الريف والهوامش للمشاركة في صياغة دستور العدل ؛ إنها رحلة من “تجاذبات الصراع” إلى “رحاب التأسيس”، حيث تصبح الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، وحيث تنتهي للأبد حقبة التبعية والتهميش لصالح وطن الحرية والكرامة.
خواتيم رمضان عام 2026م



