
عبدالرحمن حنين يكتب شاهد عيان : حين تسقط أقنعة الزيف .
يحكي الأديب اليمني مصطفى العمراني ، أن أهل قريته كانوا يعانون من خطر دائم أثناء ذهابهم لجلب الماء من بئرٍ بعيدةٍ ، كان لا بد لهم أن يمروا بمنعطف خطير يطل على وادٍ سحيق، وقد فقدت القرية عددًا من الأطفال الذين سقطوا مع الحمير في ذلك الوادي في طريقهم إلى الماء.، ظل الوضع ماثلاً ، كما هو، إلى أن اجتمع وجهاء القرية يومًا في بيت أحدهم لمناقشة المشكلة ، في محاولة منهم لإيجاد حل لهذا المنعطف المميت ..!
تقدَّم العمراني بسؤال بسيط ومباشر ..لماذا لا تسلكون طريقًا آخر أكثر أمانًا ..؟
الصدمة كانت في الجواب (نحن نمشي وراء الحمير، وهي من تسلك بنا ذلك الطريق ) ، هذا الرد ، لم يكن مجرد جملة عابرة ، بل كشف حقيقة مرعبة ، هي أن الناس قد يعتادون الخطر، يتعايشون مع الأوجاع ويستمرون في السير خلف (لحمير ) ، الحمير هنا ليست مجرد حيوانات، بل ترميز للعادة والإنصياع للأنظمة التي تقودك كقطيع او حين يقود القطيع النظام كما واقعاً معاشاً بأرض النيلين ..!
القصة أعلاه ، تجسّد واقعًاً نعيشه ، حين نصبح تْبع ، أسيرين لأنظمة فاشلة ، أو حين نخاف التغيير، ونفضّل التعايش مع الخطر بدلاً من الذهاب في مسارات أخرى…!
حرب الكيزان صارت لا حياد فيها ، اما ان تكون أنت القــاتل، أو المقتول ، قد تــذبح لبشرتك السمراء أو لخصلة شعر ماعرفت الإختباء ، وربما تصبح طريداً لمجرد اسم هو لك او لجدك ..!
الحرب أثبتت فعلاً وقولاً ، ان رابط الدم هو الأقوى وان القومية زيف ، و الوجدان المشترك ، وهم وخزعبلات..
وأن انسان الهامش لايصلح إلا أن يكون مطية أو مغفلاَ نافعاُ ..
…فذاكرتي المثقلة بالتجارب تستدعي مقولة دوستويفسكي ، حين يقول :
لا يمكنك أن تُشفى في نفس البيئة التي جعلتك مريضًا… غادر.»
غادر ، حتى لا تصبح ، كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ، والماء فوق ظهورها محمول ..!
غادر ، حين يصبح الشفاء، ليس مجرد قرار داخلي، بل نتاج الأرض التي صنعت الجرح ، فالمكان لا يمكن أن يكون نفسه دواء للألم .
وعلم النفس يُعرف هذا بمبدأ إعادة البناء البيئي (Environmental Reconstruction)، حيث نحتاج إلى فضاء جديد يسمح لنا بقطع دوائر التكرار التي تُعيد إنتاج الألم. فالفلسفة الوجودية، ترى أن الانفصال عن البيئة المريضة ليس هروبًا، بل شجاعة أخلاقية ومحاولة لاعادة صياغة الذات وجلدها .
أبدأ حياتك بعيداً ،لا تتمسك بانتمائك بالأرض التي أورثتك المرض، غادر لتستعيد قدرتك ، و تحرر ذاتك من العبودية والفلقنة والتبعية البغيضة ..
شاهد ملك :
تاريخ السودان قديمه وحديثه ، وثّق على أن الخرطوم تحررت مرتين ، تارة ،حين اقتحم رجالات الثورة المهدية قصر غردون وزلزلوا عرشه وجزوا رأسه ، واخرى حين أعاد احفاد ود تورشين الكَرّة ، قاطعين دابر أذيال المستعمر، حينما أكمل (برهانهم ) عُدته كأرملة أسفل البيدروم ..!
كيزان عيال ام زقدة .



