
دولة جنوب اليمن: الاستقلال كركيزة للاستقرار ومكافحة التطرّف
يقف جنوب اليمن اليوم عند مفترق طرق تاريخي لا يقل أهمية عن لحظة استقلاله الأولى عام 1967. ففي الثلاثين من نوفمبر 1967 غادر آخر جندي بريطاني مدينة عدن، لتُعلن جمهورية الجنوب العربي – التي عُرفت لاحقًا بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية – دولةً ذات سيادة كاملة. وقد مثّل ذلك تتويجًا لنضال طويل ضد الاستعمار البريطاني (1839–1967)، جسّد خلاله شعب الجنوب إرادته الصلبة في رفض الهيمنة والوصاية الخارجية.
وللمرة الأولى في التاريخ الحديث للجزيرة العربية، قامت جمهورية بقيادة وطنية خالصة، نجحت في توحيد أكثر من عشرين سلطنة ومشيخة في كيان وطني واحد. وخلال الفترة من 1967 إلى 1990، أسّست الدولة الجنوبية مؤسسات حديثة في مجالات التعليم والصحة والأمن، ورسّخت هوية وطنية جنوبية مميزة.
غير أن هذه المنجزات تقوّضت عقب وحدة عام 1990 مع شمال اليمن، والتي سرعان ما انهارت. ففي عام 1994 شنّ نظام صنعاء حربًا شاملة لفرض سيطرته على الجنوب، وكان سقوط عدن في 7 يوليو 1994 إيذانًا بتدمير الدولة الجنوبية، ونهب مقدراتها، وتهميش نخبها السياسية والعسكرية. ويصف الجنوبيون تلك المرحلة بأنها “احتلال ثانٍ” كان أشد قسوة من الاستعمار، إذ قضت الحرب عمليًا على مشروع الوحدة وأدخلت الجنوب في عقود من الإقصاء السياسي.
ومن رحم هذه التجربة وُلد الحراك الجنوبي المتجدد: بدايةً عبر نضال سلمي منذ عام 2007، ثم عبر مقاومة مسلحة تُوّجت بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017. واليوم يُنظر إلى استعادة الدولة الجنوبية باعتبارها حقًا غير قابل للتصرف، وخطوة ضرورية لإنهاء حالة عدم الاستقرار المزمن وبناء مستقبل قابل للحياة. وقد شكّل تحرير عدن من سيطرة الحوثيين عام 2015 نقطة تحوّل مفصلية، مكّنت الجنوب من استعادة الأمن وإدارة شؤونه تحت قيادة جنوبية.
كما برزت تطورات حديثة رفعت من مكانة حضرموت كعاصمة محتملة للدولة الجنوبية القادمة. وباعتبارها أكبر المحافظات وأكثرها ثراءً بالموارد، تمثّل حضرموت العمق الجيوسياسي والاقتصادي للجنوب. ومنذ تحرير المكلا من تنظيم القاعدة عام 2016، أصبحت حضرموت نموذجًا للاستقرار ومكافحة الإرهاب، بدعم من القوات الجنوبية والتحالف العربي. إن اضطلاعها بدور سياسي محوري يضمن تنمية متوازنة وحكمًا لا مركزيًا، مع بقاء عدن عاصمة تاريخية ورمزية للجنوب.
وجوهريًا، لا ينفصل مشروع الدولة الجنوبية عن معركة مكافحة التطرّف. فقد كانت القوات الجنوبية في طليعة المواجهة ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وضد مليشيات الحوثي المدعومة من إيران. وتؤكد عمليات مثل “سهام الشرق” في أبين (ديسمبر 2025) قدرة الجنوب على تفكيك الشبكات الإرهابية وتأمين أراضيه. كما لعبت القوات الجنوبية دورًا حاسمًا في وقف تمدد الحوثيين منذ 2015، ومنع وصول النفوذ الإيراني إلى بحر العرب وخليج عدن.
وفي المقابل، برزت تناقضات في الموقف السعودي. فبينما تعلن الرياض دعمها لوحدة اليمن، فقد اعترفت عمليًا بالقضية الجنوبية من خلال اتفاق الرياض (2019) وأقرت بشرعيتها كقضية عادلة. إلا أن معارضة السعودية للخطوات الجنوبية الأحادية في أواخر 2025، إلى جانب مفاوضاتها المباشرة مع الحوثيين منذ 2022، أثارت مخاوف جنوبية من تهميش قضيتهم ضمن تسوية أوسع.
ورغم هذه التعقيدات، يؤكد القادة الجنوبيون أنه لا يمكن التوصل إلى حل دائم في اليمن دون معالجة عادلة للقضية الجنوبية. فقيام دولة جنوبية مستقلة لن يكون مجرد تعبير عن إرادة شعبها، بل سيشكّل عامل استقرار إقليمي، وشريكًا موثوقًا به، وحارسًا للممرات البحرية الاستراتيجية.
إن الاستقلال الثاني لجنوب اليمن، إن تحقق، لن يكون فعل تفكيك، بل خطوة واعية نحو الاستقرار الإقليمي والأمن المشترك.



