
أرض الحرمين… حرمة دم السودانيين أولى من الانتقام وتصفيات الحسابات
الرباعية بين فشل الوساطة أم اختيار الضمير؟
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، ظل الشعب السوداني وحده يدفع ثمن الدم والدمار، بينما تتبدل المواقف الإقليمية والدولية حسب المصالح، لا وفق حرمة الأرواح.
أول منبر دعا لوقف الحرب كان جدة في المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين، بمبادرة أمريكية–سعودية مشتركة، داعيًا الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى التفاوض ووقف العدائيات. استقبل السودانيون المبادرة بأمل كبير، بوصفها موقفًا حكيمًا يعكس مكانة المملكة ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه دماء المسلمين.
لاحقًا، تشكّلت الرباعية الدولية بإضافة الإمارات ومصر إلى جانب الولايات المتحدة والسعودية، في محاولة لتخفيف المعاناة الإنسانية. غير أن الواقع أثبت تعثر الوساطة بسبب مماطلة الجيش السوداني وأعذاره الواهية، بينما استمرت الحرب في حصد الأرواح وتدمير البنية التحتية.
ومع تفاقم الكارثة، حاول مساعد الرئيس الأمريكي مسعود بولس لملمة الأطراف، وأُعلنت هدنة إنسانية غير قابلة للتغيير من قبل أطراف النزاع، ليستعيد الشعب السوداني أنفاسه بعد حربٍ لم تترك شيء إلا حطامًا.
لكن الصدمة جاءت مع الموقف السعودي الأخير، الذي بدا وكأنه اصطفاف مع أحد أطراف الحرب، والانضمام إلى معسكر يدعم استمرارها، مع مصر وقطر وتركيا وإيران.
وهنا يبرز السؤال: هل هذا فشل للوساطة أم تخلي عن اختيار الضمير؟
هذا الموقف – إن استمر – غير حكيم ما لم يضع حرمة دم المواطن السوداني فوق أي حسابات سياسية.
فالشعب السوداني ليس طرفًا في صراعات المحاور، ولا مادة لتصفية الحسابات، بل هو الضحية المباشرة لكل قرار خاطئ.
المطلوب من الرباعية اليوم، وعلى رأسها السعودية، ليس الانحياز، بل استعادة دور الوسيط النزيه والضغط الجاد لوقف الحرب لا إدارتها أو إطالة أمدها.
فالتاريخ لا يرحم، ودماء الأبرياء ستظل شاهدًا على من وضع المصالح السياسية فوق حق الشعوب في الحياة والسلام.
إن دم السودانيين ليس ورقة ضغط، ولا مادة لتصفية الحسابات.
أرض الحرمين أَولى أن تكون منبرًا لحقن الدماء لا شاهدًا على استباحتها.
إما أن تختار الرباعية طريق الضمير، أو يكتبها التاريخ في خانة الفشل الأخلاقي قبل السياسي.



