
ليس السؤال الحقيقي في السودان اليوم: من هو الصادق في إتخاذ خطوات جادة بإرادة كاملة نحو تحقيق السلام؟!السؤال الذي يجب أن يتقدم على كل الأسئلة هو: إلى متى يبقى المواطن السوداني هو الطرف الذي يدفع ثمن الحرب، بينما يستمر البرهان و من وراءه مجموعات الأمر الواقع متسيطرين على السلطة والسلاح و يبحثون عن الإعتراف و أياديهم ملطخة بدماء الأبرياء ؟
في خطاب الجنرال محمد حمدان دقلو «حميدتي»، تبرز بوضوح أولوية الميدان -رغم إمتداد أياديه بيضاء للتفاوض – خصوصاً في عبارته التي نقلتها رويترز: «حان الوقت لأن تتحدث البنادق»، و في المقابل، يواجه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ضغوطاً دولية متزايدة بشأن مسار وقف إطلاق النار،نسبة لعدم مصداقيته ، فيما لم تمنح الولايات المتحدة تأشيرة دخوله إلى نيويورك في الوقت المقرر لحضور الجمعية العامة، وسط تقارير ربطت الأمر بجرائم الحرب التي إرتكبها ضد الشعب السوداني خاصة إستخدام الأسلحة الكيماوية،حسب التقارير الصادر من جهات موثوقه، لكن وضع الرجل في مواجهة مباشرة لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأكبر: السودان نفسه هو الخاسر الأكبر،عندما تصبح المعارك العسكرية بديلاً عن السياسة.
الرسالة الأساسية في خطاب حميدتي، وفق القراءة التي يقدمها الخطاب نفسه، هي أن المرحلة تُدار بمنطق القوة الميدانية، مع تعبئة معنوية ودينية للمقاتلين، وتشديد على الإنضباط ومنع التصوير العشوائي والإلتزام بتوجيهات القيادة.
هذه الرسائل قد تكون مفهومة داخل مؤسسة عسكرية تخوض حرباً، لكنها تكشف في الوقت نفسه،إنسداد الأفق أمام الشعب السوداني،بسبب إستهتار عصابة بورتسودان و أستفزازهم وتمسكهم بشعارات الحرب و نشر خطاب الكراهية : كلما إرتفعت لغة الحرابة،
تراجعت مساحة السياسة، فالحرب لا تنتج دولة، والإنتصار العسكري ــ أياً كان طرفه ــ لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام.
الأخطر أن إستمرار الحرب يجعل المدنيين رهائن لمعادلة عسكرية لا يملكون قرارها، بينما تتآكل المدن والقرى والأسواق والتعليم والصحة وسبل العيش، ومأزق البرهان ليس مجرد تأشيرة.
قضية التأشيرة تكشف جانباً من إتساع الفجوة بين القيادة العسكرية السودانية وبعض العواصم الدولية، وقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه بشأن عدم إصدار التأشيرة، بينما قالت مصادر إن واشنطن ربطت الأمر بتُهمة الكيماوي،وفي الوقت نفسه، أعلنت واشنطن أن لا القوات المسلحة ولا قائدها يمثلون ، من وجهة نظرها، «حكماً دستورياً شرعياً» للسودان، وهنا يجب التوقف عند المعنى السياسي الأوسع.
المشكلة ليست في سفر قائد إلى نيويورك أو عدم سفره، وإنما في أن الشرعية السودانية أصبحت محل صراع خارجي وداخلي، بينما الدولة نفسها تتآكل من الداخل، وعندما يصبح مستقبل السودان مرتبطاً بشروط الوسطاء، ومواقف العواصم، وموازين السلاح، فإن السؤال يصبح: أين المواطن من كل ذلك؟.
الإقتصاد يقول الحقيقة التي لا تستطيع البيانات السياسية إخفاءها ، الأرقام أكثر قسوة من الخطب،
فقد شهد الجنيه السوداني إنهياراً حاداً في مناطق سيطرة الجيش، ووصل سعر الدولار في السوق الموازي في سبتمبر إلى مستويات قاربت 9 آلاف جنيه قبل أن يتراجع مؤقتاً إلى نحو 7,600 جنيه. وأدى ذلك إلى إرتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر، هذه ليست مجرد أزمة نقد أجنبي، إنها أزمة دولة، عندما يصبح المعلم مضطراً للبحث عن مصدر دخل إضافي، ويعجز المواطن عن شراء الغذاء والدواء، وتصبح المدارس والمستشفيات والخدمات العامة ضحية للحرب، فإن الحديث عن «النصر» يصبح منفصلاً عن حياة الناس.
السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد – المنتصر في هذة الحرب خسران كما قال الجنرال دقلو – بل إلى نهاية لمنطق الحرب،المخرج ليس أن نطلب من طرف أن يستسلم للآخر،ولا أن نمنح أي أحد أي إن كان شيكاً مفتوحاً باسم إنقاذ الدولة.
المخرج يبدأ من إعادة تعريف الأولويات،
أولاً: وقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
أي مبادرة سياسية لا تبدأ بوقف حقيقي للقتال وفتح الممرات الإنسانية وحماية المستشفيات والأسواق ومراكز النزوح ستظل ناقصة، وتشير تقارير حديثة إلى أن الوصول الإنساني ما زال شديد الصعوبة، خصوصاً في دارفور وكردفان، بسبب القيود الأمنية والإدارية التي تفرضها مجموعة بورتسودان على منظمات العمل الإنساني.
ثانياً: تحويل التفاوض من تفاوض بين طرفي صراع إلى عملية سياسية سودانية.
لا ينبغي أن يكون المواطن مجرد متفرج على إتفاق يوقعه طرفان أو ممثلون عن القوى المسلحة، المطلوب مسار يشارك فيه المدنيون، والنساء، والشباب، والأقاليم المتضررة، والنازحون واللاجئون، والمجتمعات المحلية، والقوى السياسية والمجتمعية.
ثالثاً: معالجة جذور الحرب لا أعراضها.
السودان يحتاج إلى إصلاح العلاقة بين المركز والأقاليم، ومعالجة قضايا التهميش والعدالة وتقاسم الموارد، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية تحت سلطة مدنية، بدلاً من إستمرار تعدد مراكز القوة المسلحة.
رابعاً: الإقتصاد أولاً.
لا يمكن بناء السلام بينما ينهار الجنيه ويجوع المواطن. يجب أن تتجه الموارد إلى الغذاء والدواء والتعليم والصحة وإعادة تشغيل الإنتاج والأسواق، لا إلى إقتصاد الحرب.
خامساً: العدالة بلا إنتقائية.
جرائم قتل المدنيين، والتعذيب، والعنف، والتهجير، وتدمير المنشآت المدنية، وإستخدام التجويع و السلاح الكيمائي أو منع المساعدات كسلاح، كلها ملفات يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة وفق القانون، أياً كان مرتكبها ومهما كان موقعه.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن السلاح يستطيع تغيير خريطة السيطرة، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد بناء السودان، وقد يستطيع طرف أن يسيطر على مدينة، لكن السيطرة على المدينة ليست هي بناء الدولة، و قد يستطيع طرف أن يحشد آلاف المقاتلين، لكن الحشد العسكري لا يعيد طفلاً إلى مدرسته، ولا يعيد مريضاً إلى مستشفاه، ولا يعيد نازحاً إلى قريته، ولا يعيد قيمة الجنيه، ولا يمحو آثار القتل والنزوح.
لهذا فإن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها السودان ليست معركة من ينتصر على من، وإنما معركة كيف ينتصر السوداني على الحرب نفسها.
السودان يحتاج إلى تسوية تنهي القتال، وتمنع الإفلات من العقاب، وتعيد بناء الدولة، وتضمن مشاركة حقيقية للأقاليم والمجتمعات المهمشة، وتضع السلاح تحت سلطة مؤسسات وطنية، وتعيد القرار السياسي إلى المدنيين، فالسلام الذي لا يحمي المواطن ليس سلاماً،
والدولة التي لا توفر الأمن والغذاء والتعليم والعدالة ليست دولة مكتملة، والتسوية التي تعيد إنتاج صراع النخب المسلحة لن تكون سوى هدنة مؤقتة بين حربين.
لقد تعب السودانيون من سؤال: من إنتتصر؟وحان الوقت لأن يكون السؤال:متى ينتصر السودان؟ ومتى يصبح المواطن هو صاحب المصلحة الأولى في الدولة، لا وقوداً لحروب الآخرين؟
ولنا عودة بإذن الله
الجمعة،٢٥سبتمبر/٢٠٢٦م



