
Uncategorizedالرأي
شادن (القردود)… الإنسانة التي غنّت للسلام واغتالتها الحرب في الذكرى الثانية لحرب 15 أبريل

في 15 أبريل، مرّت عامان على اندلاع حربٍ دامية مزقت السودان، وأخذت معها أرواحًا بريئة، من بينهم صوتٌ لا يُعوّض، إنسانة لم تكن تحلم إلا بوطنٍ يُصافح بعضه بعضًا، لا يتقاتل. في هذه الذكرى، نترحّم على روح الفنانة والباحثة شادن محمد حسين، المعروفة بـشادن القردود، التي غنّت للسلام، فاغتالتها الحرب.
شادن لم تكن فنانة عادية، بل كانت حارسةً لذاكرة التراث الشعبي، خاصة في غرب السودان. وُلدت في أبو زبد، وتفتّحت موهبتها في مدينة الأبيض، حيث ترعرعت وسط الحكامات، وحفظت أصواتهنّ ومواقفهنّ، ودرست رسائلهنّ بعمق الباحثة وعاطفة الإنسانة.
الحكّامة في ثقافة غرب السودان ليست مجرد مغنية، بل صوت القبيلة، وسيدة الموقف، تلهم وتحذّر، تدعو للحرب أو تدفع نحو الصلح. لكن شادن اختارت أن تكون حكّامة من نوع آخر، تحوّلت كلماتها إلى نداء دائم للسلام، وحولت دور الحكّامة من محرضة إلى مصالحة.
كانت تقول دومًا:
“الغُنا سلاح… وناس كتار مسكوهو غلط، أنا بمسك الغُنا في وش الفتنة، وأقول ليها ارجعي.”
وفي واحدة من أقوى لحظاتها الغنائية، حين علت أصوات السلاح، ردّدت شادن:
“ما بندق ما نبو مدفع… دايرين محبة وسلام يتزرع”
غنّت بهذه الكلمات في لحظة كان فيها الغناء مقاومة، وكان الفن وقوفًا في وجه الرصاص.
وفي إحدى مقابلاتها، عبّرت بوضوح عن رسالتها:
“أنا ما بس بغني… أنا ببحث، وبرجع للمصدر، عشان أعرف الناس كانت بتغني لي شنو، وليه. والحكّامة ما كانت بس تطبّل للحرب، كانت تعرف توقفها كمان.”
شادن كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، جمعت بين الموهبة والعلم، بين التراث والحداثة، بين القبيلة والوطن. وحين اغتالتها الحرب، لم تطفئ صوتها، بل فجّرت سؤالاً قاسيًا:
أي ظلمٍ هذا الذي يقتل من يدعو للمحبة؟
رحلت شادن، لكن صداها باقٍ، في وجدان من سمعها، في صدور النساء اللاتي ألهمتهن، في أطفالٍ رقصوا على أغانيها، وفي باحثين سيجدون في إرثها كنزًا من الحكمة والنقاء.
في ذكرى الحرب، نتذكرها لا كضحية، بل كصوت مقاومة ناعم، واجه القتل بالحب، والخراب بالغُنا.
سلامٌ على روحك، يا شادن.
“حكّامة للسلام… ورايتك مرفوعة.”
الطيب الهادي ادم



