
الطيب الهادي يكتب :العقل السوداني بين رماد الحرب ومرايا الوحدة دور النخبة الفكرية في زمن الانقسام والمحنة
الحرب المستعرة في السودان، يقف العقل السوداني أمام اختبار تاريخي عسير. فهذه الحرب لم تكن مجرّد نزاع سياسي تحوّل إلى صراع مسلح، بل هي امتداد لمخططات قوى ظلت تتربص بالوطن منذ سقوط نظام البشير، تسعى لتمزيقه وإعادة إنتاج مشروعها الاستبدادي عبر الفوضى.
الحرب التي أشعلتها بقايا النظام البائد ـ وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ـ لا تُخاض من أجل الوطن، بل من أجل سلطة وثروات، تفتك بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، وتطمس آمال بناء دولة مدنية ديمقراطية.
العقل السوداني ودوره المنتظر
في هذا السياق المضطرب، تبرز الحاجة المُلحّة لتفعيل العقل السوداني ـ فردًا وجماعة ـ كمصدر للرؤية والحكمة وبناء البدائل. فـ”المحافظة والإنتاج” لا تعني فقط النجاة، بل تعني:
المحافظة على قيم التعايش والتسامح التي شكّلت نسيج المجتمع السوداني لسنوات طويلة.
الإنتاج الفكري والاجتماعي والسياسي، الذي يساهم في بلورة مشروع وطني جامع يتجاوز ثنائيات الحرب والانقسام.
العقل السوداني اليوم مطالب بإعادة قراءة الواقع بعين نقدية، بمساءلة الجذور لا الوقائع فقط، وبأن يكون منبرًا للوحدة لا أداةً للتخوين أو الاصطفاف.
فرص الوحدة الممكنة
رغم ما يحيط بالمشهد من قتامة، فإن الأمل لم ينطفئ. فثمة فرص حقيقية يمكن أن تشكل نواة لمشروع وحدة وطنية:
تنامي الوعي الشعبي الرافض للحرب والداعي للحل السياسي.
تقارب إنساني بين مكونات الشعب السوداني، خاصة في معسكرات النزوح واللجوء، حيث تذوب الفوارق الجهوية والعرقية.
مبادرات شبابية ومجتمعية تسعى للحفاظ على التماسك الاجتماعي رغم شراسة الواقع.
تهديدات الانفصال وتفكك الدولة
في المقابل، هناك مؤشرات خطيرة تهدد بتمزق ما تبقى من جسد الوطن:
تصاعد خطاب الكراهية الجهوي والعنصري، الذي يُستغل للتحشيد بدل أن يدعو للتكامل والتنوع.
الانهيار المؤسسي الكامل، وغياب الدولة في معظم الأقاليم، ما يفتح الباب لسلطات الأمر الواقع.
استمرار عبث القوى القديمة عبر تحالفات مصلحية تستغل الدين والهوية لإذكاء نيران الصراع.
خاتمة: دعوة للفكر والفعل
إن تحرّر العقل السوداني من التبعية والاستقطاب، وعودته إلى أصالته الفكرية والأخلاقية، قادر على أن يكون شعلة الخروج من نفق الحرب. فالوحدة الحقيقية لن تُبنى على المصالح الضيقة، بل على أسس العدالة والمواطنة والمصالحة التاريخية.
المطلوب اليوم ليس فقط أن نفكر، بل أن نُفعل هذا الفكر في الواقع… قبل أن نستيقظ على وطنٍ لم يتبق منه سوى الذكرى.



