
سلام يا صاحبي أبو عبيدة برغوث يكتب: نيالا . مدينة تنهض من تحت الرماد
قبل صياح الديك، استيقظ السودانيون، ومنصات التواصل الاجتماعي عبر الأسافير تنقل العديد من الأحداث، أبرزها العدوان المصري على الأراضي السودانية، الذي أسفر عن مقتل ما يقارب 200 شخص وجرح المئات من المعدّنين، وعدوان آخر على سوق بشمال دارفور، وآخر على قرية وادعة بغرب كردفان، وطائرة مسيّرة تقتل أسرة كاملة بشمالها، وقصف خلّف 75 ما بين قتيل وجريح من المواطنين في سوق المواشي بنيالا.
كل هذه الدماء الطاهرة والأرواح التي فاضت إلى بارئها، والتي أبكت كل الشعب السوداني، واجهتها سلطة الجيش في بورتسودان وغرفها الإعلامية وأبواقها الممولة من قبل الحركة الإسلامية الإرهابية والجيش المصري بكل صلف وتجرّد من الوطنية والأخلاق وانعدام الضمير الإنساني، حيث تبارى أعضاؤها في تقديم التفسيرات المضللة والتبريرات الفطيرة والدفاع عن المعتدي الآثم، بينما التزم قائد الجيش الصمت قبل أن يردّ وهو يلعب الورق (الكشتينة) منتشيًا، وكأن شيئًا لم يحدث، ببيان أقل ما يوصف به أنه هزيل، فضح بوضوح مدى العمالة والخيانة والارتزاق والانبطاح لأسياده.
وفي خضم هذه الفوضى، استرجعت ذاكرتي قصة تلك المدينة الحالمة التي عادت مجددًا لتنهض من رماد النكبة نحو مشروع الدولة، وأدركت مقدار الحقد الذي يكنّه المركز وتوابعه لها؛ فيضرب الجيش ليقتل نساءها وأطفالها ويفقر إنسانها ويدمّر حلمها بالتعافي.
وأنا أشاهد آثار ذلك العدوان على نيالا، وأتابع سرديات البلابسة الفاسدة، عدت مجددًا إلى نيالا ما قبل الحرب، وكيف كانت الدولة القديمة وأجهزتها الأمنية تحاول زرع الفتنة بين مجتمعاتها، لإثارة الصراعات القبلية بينهم، وتقويض استقرار المدينة.
وقتها، أتيحت لي الفرصة للابتعاد عن ضجيج الأخبار، فوصلت إلى مدينة نيالا، حيث وجدت الناس منشغلين بكيفية المحافظة على الأمن الذي تحقق، وهو سؤال قادهم إلى نقاشات عميقة، شكّل فيها حكماء الإدارة الأهلية منارة يهتدي بها الباحثون عن الاستقرار. واستدعى الناس تقاليدهم الراسخة في فض النزاعات وتسوية الخلافات، ويبدو أن غياب الطرف الثالث أتاح لهم مساحة أوسع للعودة إلى أعرافهم وتقاليدهم المتوارثة.
كان علينا أن نستمع إلى آراء الناس وتصوراتهم للحل.
وفي طريقنا إلى سوق المدينة، شدّني منظر الباعة وهم ينصبون خيامهم المصنوعة من أفرع الأشجار وبقايا الأقمشة، بينما انشغل آخرون بتهيئة الأرض وفرشها لعرض بضائعهم.
ثمة امرأة كبيرة السن تعمل بصعوبة على شد حبال خيمتها، فتتقدم نحوها سيدة لم تتجاوز الثلاثين من العمر لتساعدها. تنحني ممسكة بطرف الحبل، فيسقط وشاحها، وتتبيّن ملامحها ببراءة تبدو كالشمس عند إشراقتها الأولي تعلو جبينها نقوش الوشم البدوي، كأنها خيوط حرير مطرزة بالذهب، تتقاطع مع خطوط الكحل، ويشع من عينيها رغم علامات الحزن نور يملأ الدنيا ضياءً وأملًا في مرايا الروح. انعكس ذلك الوجه المشرق كالقمر، وقفت بكل شموخ، ثم أعادت وشاحها إلى رأسها. ظلت المرأة تتمتم بعبارات الشكر والدعاء لها بأن يسعدها الله، أما الفتاة فبقيت واقفة في أدب واحترام، تستمع إلى دعوات المرأة الكبيرة، وفقًا لتقاليد المجتمع التي تعلّم الصغار الإنصات للكبار وتوقيرهم. ولم تتوقف يدها عن العبث بعقد يتدلى على جيدها، وكأنها تبحث بين حباته عن مكامن الجمال، وبحياء الحسناوات المعهود، ودّعت المرأة الكبيرة ومضت في سبيلها، مفسحة الطريق للمارة.
لكنها لم تكن تدري أنها تركتنا مفتونين بذلك المشهد الماثل أمامنا مع الشروق؛ فقد تركت ابتسامة على وجوه القادمين إلى السوق، حتى أولئك الذين كانت ترتسم على وجوههم علامات الحزن والتعب، وهم يحكون بألم عن قضايا ظلت تؤرقهم لعشرات السنين بسبب الحروب التي تدور في ديارهم.
وكان القلق يتملكني بعد أن قضيت الليل بطوله أتابع الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بحثًا عن مؤشرات تدل على أن الأزمة السودانية تمضي نحو الحل، وظل السؤال الأهم يلحّ عليّ: كيف يمكن للسودانيين أن يصلوا إلى صيغة يتوافقون عليها لإدارة بلادهم، أو إلى حل مؤقت يتيح لهم الدخول في حوار سلس ومفتوح، يقود إلى تفاهم يحقق الاستقرار ويحفظ للسودان وحدته ومستقبله؟
في نيالا، لم تكن الحكاية مجرد سوق يستعيد حركته، أو امرأة تساعد عجوزًا في نصب خيمتها؛ كانت صورة مصغّرة عن مجتمع يحاول النهوض من آثار الحرب، ويبحث عن طريقه نحو الحياة والتعافي.
وبين ابتسامة عابرة في سوق المدينة، ودعوات امرأة مسنّة، وحقول عاد إليها المزارعون، تتجلى في زوايا الروح تلك القوة التي تعكس قدرة الإنسان على التمسك بالأمل، مهما طال ليل الحرب.
نيالا ليست مجرد مدينة عادت إليها الحياة، بل تجربة تستحق أن نصغي إليها، لعلنا نجد في تفاصيلها بعض الإجابات عن أسئلة السودان الكبرى.



