Uncategorizedالرأي

عبدالرحمن حنين يكتب شاهد عيان : إنها فجّة الموت ..!


أصوات مدافع ودويّ انفجارات بعيدة يزلزل أرجاء المدينة ، عند غبش الفجر، حين زغزغت العصافر من أعلى شجرة (النيمة ) ،فرغت بتول قسم الله (الصماء) من اداء صلاة الفجر، وبأيدي مرتعشة حزمت متاعها في ملاءة بالية ثم هرعت تُوغِظ احفادها النائمين أسفل السرير مخافة الموت تحت وابل الرصاص ..!
لم تكن تملك سوى (حمار) تركه ابنها الوحيد الذي قضى نحبه قتيلاً بالمعتقل قبل عدة اسابيع مضت ..!
السيدة (بتول ) التي لاتقوى على المسير لكبر سنها وهي الصماء ايضاً ، وضعت احفادها الثلاثة على ظهر (حمارها ) ثم ولّت وجهها شطر المجهول تاركةً خلفها المدينة وبعض الجتامين المزجاة على قارعة الطريق …!
شقت طريقها وسط الحيّ لم تأبه الى تحذير أحد الجنود المتخفيّ وراء سياج نُصب كأخدود ترابي أسفل المدينة كخط دفاع ، سارت في طريقها غربا ، ممسكة بلجام حمارها ومن فوقه احفادها الثلاثة …
حين ترآءت المدينة من خلفها (رهاباً ) انآخت دابتها عند احدى الاودية ذات الرمال الملتهبة ، قضت سحابة نهارها تحت ظلال احدي الشجيرات المتناثرة ،أوقدت ناراً ، اعدّت باناءٍ صدىٍ وجبةً من ( بليلة) الذرة، ومن ماء مسفوح على جنبات الوادي ملأت (خُرجاً ) ربطته بعناية على جنبات حمارها ، نهضت منتصبة، أمسكت لجام دابتها ثم استأنفت مسيرها راجلة بينما احفادها متراصون على ظهر الحمار كلٌ قابض يديه ببطن أخيه ..!
عند غسق المغيب وحين تكاسلت خطاها عن المسير ونالت منها المشقة مأخذها ، بلغت سدرة منتهاها حيث مِيّس قوافل النازحين المغادرة الى مدينة طابت ..!
..هكذا كان داء الصم الذي أُبتليت به (بتول) منذ صغرها منجاة لها من مُكر جنود المشتركة الذين قطعت جدارهم العازل بآذانٍ صماء، لم تسمع تحذيراتهم ولا صوت تعميّر البنادق المصوبة نحوها حينما حاولوا قطع الطريق امامها مثلما درجوا ان يفعلوا مع كل مواطن عزم الرحيل ومغادرة مدينة الفاشر بحثا عن الأمان ..!
..هكذا ايضاً تحطم حائط الصد البشري الأخير المنصوب كدروع بشرية ومضادات مثلما تحطم الدرع البشري الاول الذي نصبته الآيدي الآثمة منتصف معسكر زمزم …!
…وسيناريو المواويل والنواح المبذول داخل ( خيمة العزاء ) بكورنيش البحر الاحمر لايعدو عن كونه دراما لتمثيلية سمجةٍ مكررة أوشكت أن تفتك بالمشاهدين مللاً ورتابةً..!
عواء الذئاب المنساب من الأصقاع البعيدة يصفع الذاكرة لتستدعي كتاب المطالعة وتقرأ رواية (هجم النمر ) ، والعواء كذلك لم يكن نداء استغاثة لكنه العواء الاخير لذئب ضال يعيش فجة الموت..!
كيزان عيال أم زقدة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى