
نائب والي جنوب كردفان المُستقيل الأستاذ / محمد علي محمد يكتُب !! الحوار من أجل السودان الجديد
عشنا لسنوات – بل لعقود طويلة – يحكمنا أسلوب في التفكير و بالتالي أسلوب في التعبير عن هذا التفكير ، هذا الأسلوب اعتمد في أساسه على التقسيم الحاد بين المواقف ، بات الأسود و الأبيض هما السمة الغالبة هنا ، و اللونان الأسود و الأبيض هنا لا يعبران عن الخير و الشر ، و لكنهما يعبران عن المواقف المتضادة و المتعارضة حتى الأنفصام أو الصدام .
غابت عنا مفاهيم الحوار ، و بات كل منا يعتقد أنه يمتلك مفاتيح الحقيقة المطلقة التي لا يمتلكها و لن يمتلكها سواه ، و بالتالي بات أسلوب الحوار و الخطاب هو الأسلوب الذي يرفض الأخر منا ، و ينفي المختلف بيننا ، و باتت الإتهامات نتقاذفها ، و تتلون بالأبيض أو الأسود وفقا لقاذفها ، هذه الحالة من التنابذ خلقت مناخاً ليس أقل ما يوصف به المناخ الفاسد ، و هو مناخ فيما يبدو اعتدناه على طول عشرتنا معه فلم نعد نتبين فساده إلا قليلاً .
أظن ألا مخرج من الحالة التي نعانيها الأن – و أقصد بهذه الحالة ذلك التحفز المُسيطر على مختلف الأطراف ، و بالتالي حالة الإضطراب و التخبُط التي نعانيها ، كمجتمعات داخل الشعب السوداني – إلا ببدء حوار حقيقي بين مكونات المجتمع السوداني بإختلافاتها و تبايناتها ، دون أن تكون هناك أحكام مُسبقة ، و لا مواقف مُسبقة ، و دون أن يدعي أي طرف أنه يمتلك الحقيقة المُطلقة ، الدنيا ليست أبيض و أسود ، و إنما هي مزيج من كل الألوان ، و جمال الدنيا و قوة المجتمعات تأتي من خلال هذا التبايّن و التداخل بين كل هذه الألوان ، و كل هذه المواقف التي حتى لو بدت متباينة و متناقضة إلا أنها تظل جزءاً من الصورة المهمة للشعب و المجتمع ، و التي بدونها لن تكون الصورة ذات الصورة .
نحن في حاجة حقيقية إلى تجديد خطابنا التحاوري ، في حاجة إلى استعادة القدرة على الحوار و الإيمان بأن الإختلاف الذي يمكن أن يكون سبباً لإنهيار مجتمعات و حروب ، هو ذاته الإختلاف الذي يمكن أن يكون أحد أهم عناصر قوة هذه المجتمعات ، لو فقط تعلمنا كيف نختلف دون أن ندمر .
ومن هنا أناشدكم بتجديد الخطاب بشتى أنواعه السياسي و الثقافي و الإجتماعي ، الخطاب الذي يُساهم في صناعة وطن تخلقه أفكار أبنائه و ليست الأفكار المستوردة ، و جعله أجمل و أقيم و أروع .



