Uncategorizedالرأي

الدكتور حافظ ابراهيم عبدالنبي فى رثاء ابراهيم أدريس البادية في حداد… اغتيال صوتها الأصيل إبراهيم إدريس


تعيش البادية السودانية هذه الايام صدمةً موجعة وحزناً عميقاً،
ففي لحظةٍ غادرة لا تشبه قيم الرجال، امتدّت أيادي الغدر والخيانة
لتغتال صوتاً كان يمثّل وجدانها الحقيقي،
الفنان الأمه إبراهيم إدريس،
ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد مغنٍ،
بل كان روح البادية وذاكرتها الحيّة ونبضها الذي لا يخطئه أحد.

لقد شكّل إبراهيم إدريس ظاهرة فنية واجتماعية فريدة؛
فصوته كان يحمل رائحة السهول،
وإيقاعه كان يُشبه وقع الخيول على الرمال،
وغناؤه كان مرآة صافية لكرم القبيلة وشهامة أهل البادية
وملامح إنسانها البسيط، النقي، الصادق.
كان حين يصدح بالأغنية، تنهض البوادي كلها خلف صوته:
تتحرك الخيام، وتستيقظ حكايات السيرة،
وتتوهّج الذاكرة بألوانٍ من الفرح والحنين.

أما اليوم، فالبادية تبكي ابنها الأوفى…
تبكي الرجل الذي جمع القلوب بصوته،
وأحيا ليالي الناس،
ونقل تراث البوادي إلى منصات الوطن كلها.
إنّها خسارة تتعدّى حدود الفن،
وتلامس جوهر الثقافة الشعبية وهوية السودانيين.

لقد رحل إبراهيم إدريس مغدوراً،
في جريمةٍ لا تستهدف شخصه وحده،
بل تستهدف صوت البادية ووجدانها وتراثها.
فالقتل لا يطفئ الموهبة، لكنه يوجع القلوب،
ويترك فراغاً واسعاً في الذاكرة الجمعية،
فراغاً لا يمكن لغيره أن يملأه.

ولئن غاب الجسد،
فإنّ الصوت باقٍ…
باقٍ في صدور محبيه،
وفي كل ساحة رقصت على أنغامه،
وفي كل بيت احتفى بأغنياته،
وفي كل مزارع وحقول وقرى كانت تجد في صوته
ظلّاً من الألفة وجمالاً من حياة البادية.

إنّ رحيل إبراهيم إدريس هو رحيل لجزءٍ منّنا،
ورحيلٌ لدفءٍ كنا نلوذ به،
وصفاءٍ كان يرفع رؤوس البوادي عالياً.
ولذلك فإن حدادنا عليه ليس يوماً ولا أسبوعاً،
بل هو حداد زمنٍ طويل
حتى تهدأ النفوس وتعود البادية لتستعيد شيئاً من توازنها.

نم قرير العين يا إبراهيم…
فالخيانة لا تطفئ نور الرجال،
والغدر لا ينتصر على من عاش في قلوب الناس.
سيظل اسمك رايةً للفن البدوي،
وسيظل صوتك ميراثاً تتناقله الأجيال،
وشهادة على أن الكبار… يرحلون بأجسادهم فقط،
أما أصواتهم فتبقى دهراً كاملاً.

رحم الله الفنان الأمه إبراهيم إدريس،
وجعل مثواه الجنة مع الشهداء والصالحين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى