
مهدي عبدالله حامد: يكتب *ورقة حول متلازمة الإسلام السياسي والإرهاب وضعت الجيش “أمام متاهة” السيناريوهات القاتمة والخيارات الحرجة*
● *فك الارتباط العضوي “قسريًا” أم السقوط معًا في مآل المجهول*
● *الجراحة القيصرية لتجنب العزلة الدولية الشاملة أو “تآكل الشرعية”*
*تواجه* الجيش المؤدلج اليوم واحدة من أعقد معضلاته الوجودية على الإطلاق، حيث تتشابك خيوط العمل العسكري المهني البحت مع الولاء الإيدلوجي العقائدي المرتبط بكافة أنواع التطرف والعنف المفرط؛ في سياق مشهد تسيطر عليه ‘متلازمة الحركة الإسلامية والإرهاب ؛ فلم يعد الصراع مجرد تدافع على السلطة فحسب ؛ بفضل نجاح الإخوان المسلمون في استمالة الجيش إلي صفهم وتحويله إلي جناح عسكري تابع لهم ؛ وفعليًا تحول ولاء الجيش إلى استراتيجية ‘إغراق’ ممنهجة تتبعها الحركة الإسلامية لجر المؤسسة العسكرية إلى مستنقع الوحل السياسي والأمني، ووصمها بتبعات الإرهاب كدرع أخير لحماية بقائها. وبينما يقف الجيش أمام خيارات أحلاها مرّ، تبرز السيناريوهات القاتمة كشبح يهدد بتفكيك المؤسسة العسكرية الخائرة ؛ فالحركة الإسلامية التي ترفض السقوط منفردة، تسعى لجعل مصير الجيش رهيناً بمصيرها، مما يضع البلاد أمام متاهة من الخيارات الحرجة التي تتأرجح بين الانتحار السياسي أو القطيعة التاريخية مع إرث التمكين.”
*فك الارتباط العضوي “قسريًا” أم سقوط الجيش والإسلاموين معًا في مآل المجهول*
*في ظل* التدويل وتصنيف الحركة الإسلامية كـ منظمة إرهابية أجنبية فإن هذه الخطوات الجادة تحتم علي الطرفان إنهاء فترة زواج المتعة وفك الارتباط بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية إذ أن هذا الأمر ليس مجرد ترف فكري أو مناورة سياسية، بل أضحى ضرورة وجودية حتمية تسبق السقوط الوشيك في هاوية المجهول. إن هذا الارتباط العضوي الذي تشكل عبر عقود من التمكين المتبادل، تحول اليوم إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق الطرفين معاً، حيث بات الجيش رهيناً لأجندات آيديولوجية تعيق قدرته على المناورة المهنية، بينما أصبحت الحركة الإسلامية تستمد مشروعية بقائها من فوهة البندقية لا من القبول الشعبي.
إن عملية فك الارتباط “القسري” تتطلب جراحة سياسية باردة وشجاعة، تنطلق من إدراك قيادة الجيش بأن استمرار التماهي مع تيار الإسلام السياسي يجرده من صفة المؤسسة القومية ويحول الجيش إلى طرف في صراع صفري جديد؛ وكما أن هذا الانفصال لا يعني بالضرورة الصدام العنيف، بل يعني استعادة القرار العسكري المستقل وإخضاعه لمنطق الدولة والضرورة الوطنية بدلاً من منطق التنظيم السري؛ وبالمقابل يجب على التيار الإسلامي أن يدرك أن الاختباء خلف البزة العسكرية لم يعد يوفر الحماية الكافية، بل يجعل منه هدفًا مشروعًا للرفض الداخلي والعزلة الدولية، مما يسرع بوتيرة التآكل الشامل.
حيث أن التعنت عن الفك القسري يعني السقوط الجماعي في الفوضى التي لن تفرق بين عسكري جيش ومدني إسلامي فلولي، أو بين صاحب فكرة وحامل سلاح حيث ان المآل المجهول الذي ينتظرهما جميعا في حال الإصرار على استمرار وحدة المصير بين الجيش والتنظيم وهو تلاشي الدولة ذاتها، حيث يتحول الجيش إلى مليشيات مشتتة وتتحول الحركة إلى جيوب معزولة تطاردها لعنة التاريخ وفشل الواقع؛ لذا فإن المصلحة الوطنية العليا تفرض اليوم مساراً قسرياً يحرر الجيش من عبء الولاءات الحزبية، ويعيد الحركة الإسلامية إلى حجمها الطبيعي كفصيل إرهابي يواجه مصيره المحتوم بالمساءلة والملاحقة الجنائية المفروضة عليه عالميا.
*ثنائية البقاء أو الفناء: عندما يصبح “التنظيم الإسلامي” هو “جيش الدولة”*
1- فخ الارتهان:
إنَّ مفهوم “التمكين” الذي انتهجته الحركة الإسلامية منذ عام 1989. لم يكن هذا التمكين مجرد سيطرة سياسية، بل كان عملية “إعادة صياغة” للجيش ليصبح ظهيرًا عقائديًا بدلاً من كونه مؤسسة وطنية محايدة وهذا الارتهان جعل مصير الجيش مرتبطاً بوجود التنظيم في السلطة.
2- عقيدة “الخيار الصِفري”
فلقد نجحت الحركة الإسلامية في إقناع كادرها العسكري بأن سقوط التنظيم يعني “العدم” للمؤسسة العسكرية وهذه الثنائية تعني بالضرورة (نحن أو الفوضى) وبهذا فإنَّ الحركة الإسلامية هي التي تمنع أي عملية إصلاح حقيقي، لأن الحركة الإسلامية ترى في استقلالية الجيش تهديداً مباشراً لبقائها.
3- الحرب الحالية كذروة للمصير المشترك للجيش والإسلاموين.
الملاحظ هنا هو أن الحركة الإسلامية اختلقت إسم حرب الكرامة كتضليل سياسي كاذب المراد به استعادة كرامته المسلوبة في ثورة ديسمبر المجيدة، ولذا فقد قامت بهذه العملية الإجرامية واطلقت الطلقة الأولى في حرب الخامس عشر من أبريل من أجل أن تُعيد إنتاج شرعيتها وتعود للسلطة مجددا من خلال فوهات البنادق، مما يجعل خروج الجيش من المعترك السياسي أمرًا مستحيلاً في منظورهم الحالي.
*متاهة السيناريوهات القاتمة والخيارات الحرجة التي وقع فيها الجيش المؤدلج*
اليوم فقط؛ لقد وجد الجيش السياسي البغيض المؤدلج نفسه أمام تحديًا وجوديًا يتجاوز حدود المعارك الميدانية؛ إلي مواجهة حقيقية مع العالم إذ وجد نفسه محاصراً بـ “متلازمة الإسلام السياسي والإرهاب” التي أصبحت تشكل عبئاً استراتيجياً وأخلاقياً يضعه في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والإقليمي. إذ إن استمرار الارتباط بالحركة الإسلامية المصنفة منظمة أرهابية خطرة قد وضعت الجيش أمام سيناريوهات قاتمة تضيق معها فرص النجاة للدولة السودانية.
*أولاً: السيناريوهات القاتمة (تكلفة الارتباط)*
العزلة الدولية والوصم بالإرهاب: في حال استمرار الجيش في التماهي مع عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية، قد يواجه الجيش خطر تصنيفه “شريكاً” لمنظمات إرهابية. هذا السيناريو يؤدي إلى عقوبات مشددة، تجميد الأصول، وقطع قنوات الدعم العسكري والسياسي، مما يحول المؤسسة العسكرية إلى كيان منبوذ دولياً.
*تفتت الشرعية العسكرية:*
من المعلوم بالضرورة إن الارتباط بآيديولوجيا حزبية معينة يضرب “عقيدة الجيش” في مقتل، حيث يتحول من جيش وطني إلى “مليشيا عقائدية” وهذا التوصيف يمنح العالم مبررًا أخلاقيًا وقانونيًا لتفكيكه أو استبداله تحت شعارات “الإصلاح الأمني”.
*الحرب الأهلية الشاملة:*
إن تبني أجندة الإسلام السياسي والمحسوبية وضعت الجيش في حروبات طويلة غذت الانقسامات المجتمعية والقبلية، وحولت الصراع من نزاع على السلطة إلى حرب هوياتية طويلة الأمد، مما أدى في النهاية قيام حكومة دستورية شرعية بإسم حكومة السلام والوحدة كنتاج موضوعي لحال الجيش الذي تحول إلي مليشيا وبؤرة جاذبة للجماعات الإرهابية العابرة للحدود.
*ثانياً: الخيارات الحرجة أمام متاهة الجيش*
أمام هذه المتاهة، تبرز أمام قيادة الجيش خيارات مريرة تتطلب شجاعة سياسية:
فك الارتباط الجراحي: وهو الخيار الأكثر إلحاحاً، ويتضمن إبعاد العناصر المؤدلجة من مفاصل القرار العسكري والأمني. هذا الخيار وفتح الباب لمفاوضات جادة تنهي الحرب وتؤسس الجيش الوطني الجديد ، ولكن هذا الخيار يواجه مقاومة شرسة من “خلايا النظام القديم” داخل المؤسسة.
*خيار “الرهان الخاسر”*: المضي قدماً في التحالف مع الحركة الإسلامية كدرع بشري ومصدر للمقاتلين (المتشددين) وهذا الخيار قد يوفر مكاسب تكتيكية آنية في الميدان، لكنه يغلق نافذة الحل السياسي تماماً ويجعل من هزيمة الجيش حتمية تاريخية نتيجة الانهيار الاقتصادي والدبلوماسي.
*التحول من المهنية إلي المليشاوية:*
بطبيعة الحال ان الجيش في الأساس لم يكن جيش وطني قومي منهي وإنما هو عبارة عن تنظيم سياسي ومليشيا جهوية عرقية ظلت تحافظ على تدفق واستمرارية مكاسب أصحاب الإمتيازات التاريخية



