Uncategorizedالرأي

بعد هذه الهجمات: في نقد العجز الإقليمي وإعادة تعريف الموقف

بقلم: الدكتور والإمام حسن الشلغومي – رئيس منتدى أئمة باريس وأوروبا


ليست الهجمات الأخيرة سوى تجلٍّ لنسقٍ مستمر من التوترات التي تعكس خللاً عميقاً في بنية النظام الإقليمي. فالتعامل مع هذه الوقائع بوصفها أحداثاً معزولة يُغفل البعد الأهم: وهو أن المنطقة تعيش حالة إعادة تشكّل مستمرة، تُدار فيها الصراعات عبر أدوات غير تقليدية، وفي مقدمتها توظيف الفاعلين من خارج إطار الدولة.

ضمن هذا السياق، تبدو سياسات إيران مثالاً واضحاً على استراتيجية النفوذ غير المباشر، التي أعادت رسم خرائط التأثير في عدد من الدول العربية، عبر تغذية الانقسامات الداخلية وتسييس الهويات. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في هذا الدور، بل في طبيعة الاستجابة الإقليمية له.

هنا تبرز الأزمة الأعمق: عجز النظام العربي عن إنتاج موقف موحّد وفاعل. فالمؤسسات الإقليمية، التي يُفترض أن تكون أطر تنسيق وتوازن، تحوّلت إلى كيانات شكلية، تكتفي بردود فعل خطابية لا ترقى إلى مستوى التحديات.

الأكثر إشكالاً أن بعض الدول العربية، التي كان يُنتظر منها أن تلعب دوراً محورياً بحكم ثقلها السياسي أو التاريخي، اختارت مواقف باهتة أو متماهية مع الأمر الواقع، إما بدافع الحسابات الضيقة أو الخشية من كلفة المواجهة. هذا التراجع لا يُضعف فقط القدرة الجماعية على الردع، بل يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويُعيد إنتاج التبعية بدل الاستقلال.

في المقابل، تتقدّم قوى دولية لملء هذا الفراغ، وفقاً لأولوياتها ومصالحها، لا وفقاً لضرورات الأمن العربي أو الإسلامي. وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد الغياب الإقليمي، تعاظم الحضور الخارجي، وتقلّص هامش القرار الذاتي.

وهنا يبرز بيت القصيد: أن العالم العربي، والخليجي على وجه الخصوص، لن يكون كما كان قبل هذه المرحلة. فمرحلة ما بعد الصراعات الراهنة مرشحة لإعادة صياغة موازين القوى، وأنماط التحالف، بل وحتى أولويات الأمن والسيادة. وما لم تُستوعب هذه التحولات بوعي استراتيجي، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام واقع جديد يُفرض عليها لا تُسهم في صناعته.

إن المشكلة، في جوهرها، ليست فقط في “التهديد الخارجي”، بل في هشاشة البنية الداخلية للنظام الإقليمي ذاته: غياب الرؤية المشتركة، تضارب المصالح، وانعدام الإرادة السياسية لبناء منظومة أمن جماعي حقيقية.

من منظور فلسفي، يمكن القول إن المنطقة ما زالت أسيرة تصور تقليدي للسيادة، قائم على الانكفاء لا على الشراكة، وعلى رد الفعل لا الفعل. وهذا ما يجعلها عاجزة عن التكيّف مع تحولات عالم يتجه نحو التكتلات والتحالفات المرنة.

إن الخروج من هذه الدائرة لا يكون عبر التصعيد الخطابي، بل عبر مراجعة نقدية صريحة: إعادة بناء مفهوم التضامن، تفعيل مؤسسات العمل المشترك، والانتقال من منطق المجاملة السياسية إلى منطق المسؤولية الاستراتيجية.

فالخطر الحقيقي ليس فقط في ما تفعله القوى الأخرى، بل في ما نعجز نحن عن فعله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى