
وداعًا اسامة …. ايها المحارب العظيم
ليس لأن الوداع سهل،
ولكن لأن القلوب—حين تُرهقها الفواجع—تتعلم كيف تصمت، لا كيف تنسى.
يُقال إن الكتابة لحظة الصدمة تختلّ،
وأن الحروف حينها لا تقول الحقيقة… بل تنزفها،
ولذلك انتظرتُ—لا نسيانًا، بل وفاءً—
حتى يهدأ الغضب، وتبرد العاطفة،
لأكتبك كما أنت… لا كما أراد الألم أن يصوّرك.
أسامة…
لم تكن مجرد اسمٍ يُنادى،
بل كنت حالةً من النقاء نادرة،
كأنك خُلقت لتذكّرنا أن هذا العالم ما زال يحتمل الخير.
يقولون: “إن الأوطان تُقاس بما تفقده لا بما تملكه”،
ووطنٌ يفقد شابًا مثلك…
إنما يفقد جزءًا من مستقبله لا يُعوّض.
كيف يُغتال الحلم؟
وكيف تُطفأ فكرةٌ كانت تمشي بين الناس؟
وأيُّ يدٍ هذه التي تمتد لتغدر،
لا بعدوٍ في ساحة حرب،
بل بإنسانٍ في مقام الأمل؟
وفي كل الأزمنة،
لم يكن الغدر جديدًا—
من خناجر القصور،
إلى مسيّراتٍ تقتل بلا وجه—
لكن الجديد دائمًا… هو وجع الفقد.
أسامة…
كنتَ تمشي بيننا كأنك مشروع وطن،
لا تُشبه هذا الخراب،
بل تُحرجه.
كنتَ تقول—بصمتك قبل كلامك—
إن البلاد يمكن أن تكون أفضل،
وأن الشباب ليسوا وقود الحروب،
بل بناة الحياة.
لكن الأوطان المنهكة…
كثيرًا ما تخون أبناءها،
أو تعجز عن حمايتهم،
فتترك أنقى ما فيها
فريسةً لغدرٍ لا يفرّق بين حلمٍ وصاحبه.
نحن لا نبكيك وحدك،
نحن نبكي جيلًا كاملًا
يُختصر عمره بين رصاصةٍ وطائرة،
بين فكرةٍ تُولد… وأخرى تُغتال.
يقول محمود درويش:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”،
لكننا اليوم نتساءل—بمرارة—
هل بقي ما يستحق… إن كان أمثالك يرحلون؟
لقد أثقلتَ الرحيل علينا،
ليس لأنك غبت،
بل لأنك تركت لنا الحلم أمانة،
والوطن سؤالًا مفتوحًا في وجوهنا.
أيُّ طريقٍ نسلك بعدك؟
وأيُّ ملامح نُعيد بها رسم البلاد؟
وقد كنتَ الدليل…
وكنتَ الفكرة.
ومع ذلك—ورغم هذا الحزن الثقيل—
نُدرك أن الطيبين لا يموتون عبثًا،
بل يتركون أثرًا…
كأنهم يقولون:
“أكملوا الطريق… ولو بقلوبٍ مثقلة.”
أسامة…
نعِدك—لا بشجاعةٍ كاملة، بل بمحاولاتٍ صادقة—
أن نحمل شيئًا من فكرتك،
أن نُخطئ ونتعلم،
أن نبني، ولو قليلًا،
وطنًا يشبهك…
نقيًّا،
وعادلًا،
ويستحق أن يُعاش فيه.
وفي الختام…
ارفع يدك وقل وداعًا،
لا لتُسلّم الغياب،
بل لتشهد أنك مررت من هنا،
وتركت فينا ما لا يموت.
وداعًا يا طيب الروح والقلب.



