
الانتهازية السياسية في السودان: إدمان الفشل وتجارة الأوهام
دكتور دقاش حسب الله دقاش
الانتهازية السياسية في السودان ليست مجرد سلوك فردي عابر أو مناورة تكتيكية في لحظة أزمة، بل هي ظاهرة بنيوية متجذرة في عمق التجربة الوطنية منذ أغسطس 1956. وهي تعني باختصار تقديم المصلحة الذاتية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا، وتحويل السلطة من تكليف إلى مغنم، ومن أمانة إلى غنيمة. وفي ظل غياب العقد الاجتماعي الجامع وغياب الدولة الدستورية بالمعنى العلمي، تحولت الانتهازية إلى ثقافة حكم، وإلى آلية لإنتاج الفشل وتدويره تحت شعارات متغيرة وأسماء متبدلة.
إن البيئة التي أنتجت الانتهازية السياسية في السودان هي ذاتها بيئة الفراغ التأسيسي التي تحدثنا عنها سابقاً. فالدولة التي لم تُبنَ على أساس المواطنة المتساوية والقانون العادل، ظلت حقلاً مفتوحاً لكل من أراد أن يقفز على المرحلة ويقطف ثمارها دون أن يزرع بذورها. ولذلك لم تكن المعضلة يوماً في نقص الكفاءات أو في شح الموارد، بل في سيادة منطق يرى في السياسة سوقاً للمساومات لا ميداناً للمبادئ، وفي الوطن إرثاً للتقاسم لا مشروعاً للبناء.
ويمكن تفكيك مظاهر الانتهازية السياسية في السودان إلى ثلاثة مستويات متداخلة تشكل معاً جداراً منيعاً في وجه أي مشروع تأسيسي حقيقي. المستوى الأول هو انتهازية المواقف، وهي أخطر أنواع التلون السياسي. وفيها يتحول الموقف من الثابت الراسخ إلى سلعة تخضع لقانون العرض والطلب. فترى ذات القيادات التي كانت بالأمس جزءاً من النظام الشمولي تصبح اليوم من أبرز دعاة الديمقراطية، وذات الأصوات التي مجدت الانقلابات بالأمس تتباكى على الدستور اليوم. وهذا التقلب ليس دليل مرونة سياسية كما يحاول البعض تبريره، بل هو دليل إفلاس أخلاقي يدمر الثقة بين النخبة والشارع، ويجعل أي توافق وطني هشاً قابلاً للانهيار في أول اختبار حقي.
أما المستوى الثاني فهو انتهازية المؤسسات، وفيها يتم اختطاف مؤسسات الدولة وتحويلها من أدوات لخدمة الصالح العام إلى مزارع خاصة للنخبة المسيطرة. فالحزب السياسي يتحول إلى دولة داخل الدولة، والقبيلة تتحول من نسيج اجتماعي إلى قاعدة انتخابية تُسخّر لا شريكاً في الوطن، والدين يتحول من مرجعية أخلاقية إلى خطاب استهلاكي للاستهواء الجماهيري. وفي ظل هذا الواقع تفقد الخدمة المدنية حيادها، ويتحول التعيين إلى محاصصة، وتتحول الموارد العامة إلى إقطاعيات حزبية وجهوية. وهكذا تفرغ الدولة من محتواها وتصبح هيكلاً بلا روح، ومؤسسات بلا وظيفة، وقوانين بلا هيبة.
والمستوى الثالث هو انتهازية الخطاب، وهي صناعة الوهم وتزييف الوعي الجمعي. فالانتهازي السياسي لا يقدم مشروعاً واضح المعالم، بل يقدم شعارات فضفاضة تتسع لكل شيء ولا تعني شيئاً. يتحدث عن الوحدة الوطنية وهو يعمق خطاب الكراهية والجهوية، ويرفع راية الديمقراطية وهو يصادر الحريات، وينادي بالإصلاح وهو يرسخ الفساد. هذا الخطاب الانتهازي هو الذي جعل السودان يدور في حلقة مفرغة من الثورات التي تُسرق، والانتفاضات التي تُجهض، والاتفاقيات التي تُوقع ثم تُنقض، لأن الهدف لم يكن يوماً بناء وطن، بل كان دائماً اقتناص فرصة.
والنتيجة الحتمية لهيمنة الانتهازية السياسية هي أن السودان لم يعرف استقراراً حقياً، لأن الانتهازي لا يبني دولة قوية، بل يستثمر في هشاشتها. فالدولة المؤسية الراسخة تحاسب الانتهازي وتقصيه، بينما الدولة الهشة تمنحه الفرصة ليعيد إنتاج نفسه في كل دورة سياسية جديدة. ولذلك باءت كل محاولات الإصلاح الترقيعي بالفشل، لأنها كانت تحاول تهذيب سلوك أفراد داخل نظام يكافئ الانتهازية ويعاقب الالتزام بالمبادئ.
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب شجاعة مواجهة جذرية لا مساومة فيها. فمعركة تأسيس الدولة المدنية الدستورية لن تكتمل ما لم تُجف منابع الانتهازية السياسية. وهذا يبدأ ببناء فوق دستوري يضع ميثاق شرف وطني يجرم الارتداد عن المبادئ ويحاسب على خطاب الكراهية والتحريض، ويستمر بدستور دائم وقوانين صارمة للأحزاب تمنع الكيانات الهلامية وتمنع استغلال الدين والعرق والجهة في العمل السياسي، ويكتمل بفصل حقيقي بين السلطات يمنع اختطاف الدولة، وبمنظومة عدالة انتقالية تكشف المتورطين في إفساد الحياة العامة وتحرمهم من حق المشاركة السياسية لفترة كافية.
الخلاصة التي لا تقبل التأويل أن السودان لا يحتاج إلى نخب أكثر ذكاء ودهاء، بل إلى نخب أكثر صدقاً والتزاماً. لا يحتاج إلى صفقات إنقاذ مرحلية تمنح الانتهازي شرعية جديدة، بل يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن الوطن أكبر من الذات، وأن التاريخ لا يرحم من تاجر بآلام شعبه. فإما أن نؤس لدولة القانون التي تحاسب الانتهازي، وإما أن نظل ندور في فلك الفشل، وتظل أحلام السودانيين في وطن عادل مجرد سراب.
الموافق السبت 15 يونيو 2026م



