
ليس كل صراعٍ في التاريخ صراعًا مجردًا على السلطة، وليس كل حربٍ مجرد مواجهة ميدانية بين جيوش متنافسة. أحيانًا تكون الحروب الكبرى تعبيرًا عن لحظة انتقال تاريخية حاسمة، تتصارع فيها بنية قديمة تحاول البقاء بكل ما أوتيت من قوة، وقوى جديدة تدفع باتجاه ولادة مرحلة مختلفة تمامًا.
والسودان اليوم يقف عند واحدة من هذه اللحظات الفاصلة؛ لحظة تتدافع فيها سنن الفك والتركيب: فك منظومة سياسية واجتماعية واقتصادية تراكمت اختلالاتها منذ نشأة الدولة الوطنية، وتركيب دولة جديدة تستجيب لتطلعات شعب أنهكته الحروب والتهميش والانقسامات.
فالمعركة الحقيقية ليست مجرد: من يسيطر على هذه المدينة أو تلك؟ ومن يتقدم في هذا المحور أو يتراجع في ذاك؟ وإنما السؤال الأكبر: أي سودان سيخرج من أتون هذه الحرب؟
هل هو السودان القديم الذي نعرفه، بما حمله من اختلال في توزيع السلطة والثروة، وتهميش صارخ للأقاليم، واستعلاء للمركز، وتغول للمؤسسة العسكرية، وتوظيف رخيص للدين والقبيلة والجهوية في الصراع السياسي؟ أم أن السودان مقبل على تأسيس جديد يعيد تعريف الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم، ويضع المواطنة والعدالة والمساواة في قلب العقد الاجتماعي؟
متطلبات التأسيس.. لا إعادة إنتاج الماضي
إن تأسيس الدولة السودانية الجديدة لا يبدأ بتغيير الوجوه فقط، ولا بإعادة توزيع المناصب بين النخب الصاعدة، وإنما يبدأ بتفكيك البنية التي أنتجت الأزمة نفسها. فلا يمكن بناء دولة عادلة بعقلية الدولة القديمة، ولا يمكن صناعة سلام مستدام بإعادة إنتاج الأسباب التي أشعلت الحروب. كما لا يمكن أن يكون التغيير الحقيقي مجرد انتقال من نخبة إلى نخبة، بينما تظل الشعوب والأقاليم خارج دائرة صناعة القرار.
تستلزم الدولة الجديدة عقدًا اجتماعيًا واقتصاديًا شاملاً، يتجاوز الترضيات السياسية ليطال جذور الأزمة:
الاعتراف بالتنوع: التعامل مع التنوع السوداني باعتباره مصدر قوة وثراء لا مصدر تهديد.
العدالة الاقتصادية: تفكيك الاقتصاد الطفيلي واقتصاد الحرب، وإعادة هيكلة توزيع الموارد على أساس الاستحقاق والتنمية المتوازنة.
إصلاح المؤسسة العسكرية: التأسيس لجيش مهني وقومي واحد، يبتعد كليًا عن العمل السياسي ويتفرغ لحماية الحدود والدستور.
سيادة القانون: بناء مؤسسات مدنية مستقلة وقضاء نزيه، ونظام سياسي لا يجعل الوصول إلى المركز طريقًا للهيمنة على بقية الوطن.
إن من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء قد ينجح في تعطيل التغيير لبعض الوقت، لكنه لن يستطيع إلغاء السنن التاريخية التي دفعت البلاد إلى هذه اللحظة الحتمية.
اقتلاع جذور التمدد الاستعماري والوصاية
لقد انتهى الاستعمار بصورته التقليدية، لكن ذلك لا يعني زوال أشكال الهيمنة الخارجية. فالتمدد الاستعماري يعود اليوم في صور جديدة: عبر النفوذ السياسي، والمصالح الاقتصادية المجحفة، والتحالفات الأمنية المشبوهة، والوصاية على القرار الوطني.
إن تحرير السودان لا يعني فقط التخلص من التدخل الأجنبي المباشر، وإنما يعني أيضًا امتلاك الإرادة الوطنية المستقلة التي تجعل علاقات السودان الخارجية قائمة على المصالح المتبادلة لا على التبعية.
من حق السودانيين أن يسألوا بوضوح: هل تتحرك القوى الإقليمية والدولية في الملف السوداني انطلاقًا من مصلحة السودان وشعبه، أم من حساباتها الخاصة؟
إن للقوى الإقليمية والمؤسسات الدولية مصالحها، لكن هذه المصالح لا ينبغي أن تتحول إلى حق في تحديد مستقبل البلاد، ولا أن تُستغل الوساطات كأدوات لإعادة إنتاج موازين القوى القديمة أو حماية النخب على حساب إرادة الشعب. الوساطة الحقيقية تساعد السودانيين على الوصول إلى حل وطني خالص، أما الوصاية فتسعى إلى فرض الحل نيابة عنهم.
تحرير العقول قبل تحرير الدولة
إن التغيير الحقيقي يواجه عقبة قد تكون أشد خطورة من التدخل الخارجي: العقل الذي اعتاد العبودية السياسية.
فلا يمكن تحرير الدولة إذا بقي المواطن أسيرًا لفكرة “الزعيم المخلص”، أو “القبيلة الحامية”، أو المؤسسة العسكرية التي تملك حق التوصية على مستقبل البلاد، أو العاصمة الأجنبية التي يُنتظر منها أن تصنع للسودانيين ما عجزوا عن صناعته بأنفسهم.
تحرير العقول هو الشرط الأول والأهم لتحرير الدولة. والمواطن الذي يدرك أن الدولة ملك له، وأن الحاكم موظف عام، وأن الجيش مؤسسة وطنية لحمايته لا للوصاية عليه، وأن اختلاف القبيلة أو الإقليم لا ينقص من حقوق مواطنته؛ هو الوحيد القادر على صناعة وطن جديد.
إلى أين تتجه سفينة التغيير؟
السودان اليوم أشبه بسفينة في بحر متلاطم الأمواج؛ تتجاذبها قوى تريد إعادتها إلى الميناء القديم المتهالك، وقوى أخرى تدفعها نحو أفق جديد. لكن السفينة لن تصل إلى المستقبل إذا ظلت مربوطة بمراسي الماضي.
المستقبل لا يعني الانتقام من الماضي، كما أن العدالة لا تعني إلغاء المصالحة. المستقبل العادل هو الذي ينصف مظاليم التاريخ، ويعترف بمناطق الظلم والتهميش، ويمنح الجميع فرصًا متساوية دون أن يحول المظالم القديمة إلى مبرر لصناعة مظالم جديدة.
إن سنن تدافع الفك والتركيب لا تعمل وفق رغبات النخب ولا وفق حسابات العواصم. وما لم تدرك القوى السودانية أن لحظة التغيير أعمق من مجرد تغيير حكومة أو قائد، فإنها ستظل تدور في الحلقة المفرغة نفسها.
وحينها، لن يكون السؤال: من انتصر في الحرب؟
بل سيكون السؤال الحقيقي: هل انتصر السودان على ماضيه، وامتلك شجاعة الإبحار نحو مستقبله؟



