
ما بين مفهوم الثورة والعهد القديم
الثورة ليست مجرد لحظة تاريخية أو حدث سياسي ينتهي بانتهاء المواجهة. الثورة، في جوهرها، هي روح ومنهج وسلوك؛ هي أن نعمل بروح الجماعة، وأن نتسامى فوق الصغائر، وأن نجعل تحقيق الأهداف المنشودة أكبر من الأشخاص، وأعلى من المصالح الخاصة، وأبقى من الخلافات العابرة.
ومن هنا، فإن نجاح المشروع لا يصنعه شخص واحد، ولا يمكن أن يُختزل في مجموعة محددة. الذين تصدّروا المشهد اليوم ليسوا بالضرورة الأكثر فهماً أو معرفة في كل شيء، لكن أقدار الله وضعتهم في مقدمة العمل، فتحملوا المسؤولية نيابةً عنا جميعاً، وفي ظروف بالغة التعقيد، وبذلوا ما استطاعوا من جهد وتفانٍ.
لذلك، فإن واجبنا جميعاً أن نساند العمل، وأن نُسهم في إنجاحه، وأن نضع مصلحة الوطن فوق الرغبات الشخصية. لا مكان في هذه المرحلة لحب الذات، ولا للتنافس السالب، ولا لاستعادة تلك الممارسات التي أورثتنا إياها الدولة القديمة، حين أصبح الصراع على المواقع والمكاسب أحياناً أهم من الهدف نفسه.
الثورة أكبر من الأشخاص، والمشروع أكبر من الجميع.
والتضحيات التي قدمها الشهداء ليست مجرد ذكريات نستعيدها في المناسبات؛ إنها أمانة وطريق وعهد. دماؤهم تضيء لنا الطريق، وتذكرنا بأن ما بدأناه لم يكن من أجل استبدال أشخاص بأشخاص، وإنما من أجل بناء وطن مختلف، وطن تسوده العدالة والحرية والكرامة.
لقد وقف الأشاوس بشرف وشموخ أمام آلة القتل، وصمدوا حين كان الصمود نفسه بطولة. وكانت كلماتهم البسيطة، من شاكلة: «الطيران بضرب بزقل، والبيابة الموت يقبل»، تختصر فلسفة كاملة في الصبر والثبات والاستعداد لعبور الطريق مهما كانت كلفته.
اليوم، نحن أمام تحدٍ من نوع آخر: تحدي البناء بعد الصمود، وتحدي إنجاح المشروع بعد أن دفع شعبنا ثمناً باهظاً من أجل التغيير.
وهنا يأتي دور الذين يعملون في حكومة السلام. المطلوب منهم أن يمضوا بذات العزيمة والإصرار، وأن يكملوا ما بدأوه من عمل من أجل رفعة شعبنا والدفاع عن مصالحه، بعيداً عن الحسابات الشخصية، وبذات التجرد الذي تتطلبه المرحلة.
نحن لا نريد أن تتحول الثورة إلى صراع جديد على المواقع، ولا أن تعيد إنتاج أمراض الماضي بأسماء جديدة. نريد تغييراً حقيقياً يلمسه المواطن في حياته، ويترجم شعارات العدالة والحرية إلى واقع، ويؤسس لدولة تحترم الإنسان وتصون كرامته وتفتح الطريق أمام أجيالها.
مشروع الثورة فوق الجميع، ولا قداسة لمن يحيد عن الطريق.
والاختلاف في الرأي طبيعي، والنقد مطلوب، والمراجعة ضرورة، لكن كل ذلك يجب أن يكون داخل إطار واحد: كيف ننجح المشروع؟ وكيف نبني الدولة؟ وكيف نرد لشعبنا شيئاً من حقه بعد سنوات الحرب والظلم والمعاناة؟
إن السودان الذي نحلم به ليس سودان جماعة ضد جماعة، ولا مدينة ضد أخرى، ولا فئة تحتكر الحقيقة أو الوطنية. إنه سودان واحد، تسوده العدالة والحرية، وتجمع أبناءه المواطنة، وتكون فيه الدولة ملكاً للجميع.
لقد قدم شعبنا الكثير، وآن الأوان أن نرتقي إلى مستوى تلك التضحيات .



