
محمد علي محمد يكتب العسكر و أدعياء السياسة .. !!
يقولون دائماً ( ما مضى هو الأجمل )؛ و ذلك لأننا عشناه بحلوه و مره ، و أدركنا ما فيه ؛ و ما هو أتِ هو ما نخافه و نحذره؛ لأننا نجهله و يغيب عن وعينا ما يحتويه . و دائما تشيع على ألسنتنا عبارة ( يا حليلهُم ) مع أطراق الرأس بأسى ، و ضرب الأكف تجسيدا لهذه النفسية .
هذه الحالة أوجدت عداء خفياً بيننا و بين ( الغد) أو ( بكرة) ، أو بصورة أعم مع ( المستقبل) . فلا أبصارنا تتعلق هناك ، و لا أفكارنا هي من جنس الأستشراف الواعي و الحاذق ، و ليس الإمكان أفضل مما كان !!
هذه الروح السوداوية و المأسورة فيما مضى شكلت وعي و ذهنية ( أدعياء السياسة ) تحديدا في السودان ،و لذا فروح الإحباط تقتل أملهم في ( بُكرة) ليتحول هو بدوره إلى محطة من محطات التسويف . فكل شيء ينبغي أن يُنجز في حينه هو معلق على شماعة ( بُكرة) و كأنهم يوقنون في دواخلهم أن شمس الغد ربما لا تشرق !!.
كثير من المجتمعات و الشعوب وضعت أملها في (غدّها) لا تسويفاً و لا تكاسلاً و أنما تخطيطاً و أستشرافاً ، و هي مجتمعات و شعوب كانت خارجة لتوها من حروب دمرت بنيتها ، و قتلت شبابها ، و بددت مواردها . و برغم هذه الحالة الجالبة للتعاسة و الشقاء فإن الأمل لم يمت ، و الإحساس بضرورة الخروج من الأزمة لم يوهن أو يضعفّ او يتقزم ؛ ولذا لم يكن صعباً أن تقوم هذه الشعوب لتحتل محلها من جديد تحت الشمس ، و ما اليابان بعد قنبلة هيروشيما و ألمانيا بعد الحرب العالمية بمثليّن بعيدين عن الذاكرة المُعاصرة ، و ما يزال الناس في زماننا هذا ينظرون بعظيم تقدير لماليزيا و النمور الأسيوية ؛ للتجربة العظيمة التي حولت كل عوامل الضعف و الهشاشة لعوامل قوة و إنطلاق .
و نحن في( السودان ) لا نريد ابتداءاً تمجيداً أخرق للذات، مديحاً لها يحول بينها و بين إبصار عيوبها و أزماتها ، ثناءاً يجعلها دائماً في محطة ( ديل أهلي) . دولتنا السودان و( شعبها المغلوب على أمره )- الأن _ تعيش في أشقى مراحلها برغم كل ما تملك من مقومات النهوض و القوة . لقد أستطاع (العسكر و أدعياء السياسة ) من دون وعي أن يحيلوا هذا الرصيد الإيجابي الذي نسميه التنوع و التعدد إلى شقاء و هلاك ، و أهدروا الطاقات في حروب عبثية يعيشها السودان حتى يومنا هذا ، و بددوا الإمكانيات في مغالطات لا تنتهي … بالإضافة إلى الضعف و عدم الرشد السياسي الذي جعل مجتمع السودان المتنوع ، شيعاً و طوائف يذوق بعضها بأس بعض ، فلا أدوار نظيفة للساسة (أدعياء السياسة ) في الميدان السياسي ! ليخرج السودان من عبث (العسكر و أدعياء السياسة) بالأتي :
اولاً : لم يعّد من المقبول أغفال أزمات السودان في ظل هذه الحرب اللعينة التي أشعلها العسكر ، على صعيدها السياسي أو الأقتصادي أو الأجتماعي ؛ فكل المشاريع السياسية التي تغفل هذه الأزمة و طرق حلها بالجراحة و التطهير إنما تفتح من جديد مزيدا من الجراح .
ثانياً : بات من المطلوب الإرتفاع إلى مستوى هذه الأزمات سياسياً بالأتفاق على رؤى و أفكار لحلها بدلاً عن شخوص و زعامات و قبائل ، فزمن القداسة أنتهى ، و أزمنة تمجيد الذات و الزعامات قد ولت .
ثالثاً : يجب الإسراع في إنجاز مشروع قومي وطني قُح، يُوقف زحف ولاء القبيلة على ولاء الوطن … لتتوقف القبلية عند حدودها الأولى ، لتتحول إلى ميزة لا يتفاضل الناس بها في مقامات الرؤى و الأطروحات ؛ بل ليتعارفوا .
رابعاُ : يجب أن نجعل المشروع الثقافي و الإجتماعي قائداً و دليلاً للمشروع السياسي ؛ فأزمة السودان أكبر بكثير من حصرها في أزمة سياسية تُحل بتوزيع المغانم و السُلطات ، و ما بؤس المُعالجات إلا دليل على قصور النظر في إبصار الأزمة في شمولها .



