
فاطمة لقاو تكتب الحلو يعلن قطيعة مع السودان القديم
الحلو يعلن قطيعة مع السودان القديم
بقلم: فاطمة لقاوة
في لحظة سياسية مفصلية من تاريخ السودان، خرج القائد عبد العزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بخطاب استثنائي في مضمونه وتوقيته، يضع فيه النقاط على حروف “الأزمة البنيوية” التي ظلت تفتك بالدولة السودانية منذ نشأتها وحتى اليوم، ويدعو إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الدولة، المواطن، والعلاقة بين “الهامش” و”المركز”.
ليس مجرد خطاب سياسي في سياق الحرب الدائرة أو المساومات العابرة، بل وثيقة سياسية فكرية تتجاوز الشعارات، وتُقدِّم تشخيصاً جريئاً لجذور الأزمة السودانية منذ ما قبل الاستقلال، وتطرح مشروعاً عملياً لإنهاء دائرة العنف والتهميش البنيوي،فهو يُعيد البلاد إلى منصة “التأسيس”، ويعلن أن مشروع “السودان الجديد” لم يمت، بل عاد مُسلحاً بتحالفات جديدة، وتجربة طويلة من الكفاح والتضحيات.
الحلو بدأ خطابه بالعودة إلى التاريخ، ليس كتأريخ وصفي، بل كمنهج في الفهم والبناء،فقد أعاد إلى الأذهان أن ما سُمِّي بالدولة الحديثة في السودان لم يكن يوماً نتاج عقد اجتماعي حُر، بل فُرضت من خلال الاستعمار التركي والمصري، ثم عمّق الاستعمار” البريطاني-المصري” الانقسام بسياسة “فرّق تسُد”، بينما جاءت الدولة الوطنية السودانية بعد 1956 تكرّس للتمييز العرقي والديني والمناطقي المُمنهج،والإقصاء العنصري المصحوب بخطاب الكراهية البغيض.
ما يطرحه الحلو هنا ليس مجرد سرد تاريخي، بل تأسيس لفهم أن ما يجري اليوم من حروب وتفكك ليست نتيجة لانقلاب 1989 أو حتى انفصال الجنوب فقط، بل بسبب بنية دولة ظلت قائمة على الاستعلاء العرقي، والاحتكار الطبقي، والوصاية الدينية.
يرى الحلو أن ولادة تحالف “السودان التأسيسي – تأسيس” في فبراير 2025، ليست تكتيكاً حربياً بل استراتيجية وطنية لإنهاء الدولة القديمة بكل منظوماتها، وبناء سودان جديد على أسس المواطنة والعدالة والعلمانية والديمقراطية.
التحالف، بحسب الحلو، لا يستهدف الجيش فحسب، بل يواجه بجرأة “الإسلام السياسي” كمنظومة أيديولوجية واقتصادية وأمنية استغلت الدين لقتل الشعوب ونهب مواردها
،وهو بذلك يضع “الإسلامويين” في قلب معادلة الأزمة، لا كطرف سياسي، بل كمنظومة فساد واستبداد ظلت متحكمة في رقاب الشعب السوداني لعقود من الزمان.
أحد أهم ملامح الخطاب، أنه لم يتراجع قيد أنملة عن جوهر “مشروع السودان الجديد”،بل أكد الحلو أنه مستعد لبناء دولة تقوم على المواطنة دون تمييز، والعلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، واللا مركزية التي تنهي مركزية الخرطوم، والوحدة الطوعية التي تقوم على الرغبة لا الفرض.
في ظل فوضى الجيوش، والاحتقان الإثني، والتمزق الاجتماعي، يعيد الحلو تقديم الطرح الوحدوي الحقيقي، لا من خلال القهر، بل عبر اعتراف كامل بالتعدد، وضرورة بناء مؤسسات دولة تعكس هذا التعدد وتحميه.
واحدة من أقوى الفقرات في الخطاب هي قراءته السياسية لتعيين الفريق/ حسن داؤود كبرون وزيراً للدفاع من جنوب كردفان.
الحلو لم ينجرّ وراء العواطف الإثنية، بل قدّم تشريحاً ذكياً لحسابات المركز، مُعتبراً أن التعيين ليس سوى محاولة “ماكرة” لامتصاص تأييد النوبة للحركة الشعبية، وشقّ الصف المجتمعي في جبال النوبة.
وصفه للتعيين بأنه “منصب صُوري لجرّ أبناء النوبة إلى محرقة الحرب” يفضح ببراعة عقلية المركز في توظيف الرموز والمكونات الهامشية لضرب مشاريع التغيير، دون أن يقدم تنازلاً حقيقياً في جوهر السلطة.
رغم الطابع الحاد للخطاب، لم يُهمل الحلو الجانب التصالحي،فقد شدّد على أهمية المصالحات الاجتماعية ورفض الغبن والتشفّي والانتقام، في رسالة بالغة الأهمية لسكان جنوب كردفان الذين عانوا من حروب مركّبة وإساءات تاريخية متبادلة.
وهنا يؤكد الخطاب أن الحركة الشعبية ليست حركة انتقام أو تصفية حسابات، بل مشروع وطني لبناء سودان يتسع للجميع.
الحلو لم يتحدث فقط بصفته قائد جيش أو زعيم سياسي، بل بصفته حاملاً لتفويض شعبي واسع في جبال النوبة والفونج الجديد، ومشاركاً في تحالف يضم قوى مدنية ومجتمعية، تُمثّل مزاجاً عاماً يريد التغيير الجذري.
خطاب عبد العزيز الحلو هو إعلان صريح عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، لا مكان فيها للأنصاف والحلول الهشة.
إنه يُجسّد قطيعة معرفية وسياسية مع السودان الذي بُني على الظلم والإقصاء، ويعيد توجيه البوصلة نحو سودان يتأسس على التعدد والتساوي والعدالة.
وفي هذا السياق، يُراهن ثوار الهامش على الانسجام الثوري بين الحلو وحميدتي كأحد أهم الفرص التاريخية التي قد تُمكِّن من إحداث قطيعة كاملة مع الدولة العميقة ونُخب المركز المستبدة.
هذا التلاقي بين جناحين أصيلين من الهامش – أحدهما يُمثّل الرؤية السياسية المؤسِّسة (الحلو)، والآخر يُجسّد الانفجار العملي ضد المركز (حميدتي) – يُمكن أن يكون هو الجسر نحو تأسيس دولة سودانية حقيقية تقوم على المؤسسات لا الشلليات، وعلى السيادة الشعبية لا الامتيازات الموروثة.
إن نجاح هذا الانسجام في التحوّل إلى مشروع وطني واضح المعالم سيُحدد مستقبل السودان لعقود قادمة،فهو ليس تحالف ضرورة أو حرب فقط، بل فرصة نادرة لبناء وطنٍ لا يُقصي أحداً ولا يُعيد إنتاج ذاته من رماد الخرطوم.
النضال مستمر، والنصر ممكن، والتأسيس قادم إن اختار الشعب ألا يعود إلى الوراء.
#معاً- نحو تأسيس- لا ترميم
الخميس،٣يوليو/٢٠٢٥م



