
نائب والي جنوب كردفان المُستقيل الأستاذ محمد علي محمد يكتُب ليس رداً على أحد …لكنها حكايات من ثورتنا ..!!
أن تلك الثورة ، ثورة ديسمبر المجيدة التي فجرها شباب كاد الناس ييأسون من قدرتهم على لعب اي دور فاعل في الحياة العامة من بعد أن ساد بينهم ظن بأن الشباب السوداني قد أنصرف إلى أمور أقام عليها و لن يفارقها . حسب تلك الظنون ، إنصرف بعض من ذلك الشباب إلى كسب العيش ما إستطاع إليه سبيلاً ؛ و إنكفأ بعض على دواخله هرباً من واقع لم يعد يطيقه ؛ و الإنتماء إلى مجموعات متطرفة تعبر بتطرفها ، هي الأخرى ، عن ضجر بالحياة . إلا أن الأحداث أثبتت أن ذلك كله كان ظناً باطلاً لأنه لم ينفذ إلى ما تحت سطح الأرض ليرى ما كان يمور في داخلها من فوران .
و مما لا شك فيه أن هناك إستحقاقات قبليّة و بعديّة لهذا الشباب إن لم توفِ بها الدولة و الحكومة القائمة أوقعت نفسها في مواجهة مع الشباب المُتطلع الثائر .
القبّلي من الإستحقاقات هو توفير التعليم الذي يؤهل الشباب لسوق العمل و يمكّنه من توظيف المعارف و تسخيرها للممارسات الحياتية ، او بعبارة أخرى التفعيل الوظيفي للمعارف . أما البّعدي فهو توفير العمل المناسب للشباب و إشراكُهم في الأجهزة التنفيذية للدولة لتطوير مهاراته في الحكم و الإدارة لكيما يصبح مؤهلاً لقيادة السودان مستقبلاً .
الإقصاء ، اي إقصاء الشباب يعني إنتاج الفقر ، و يحول دون تفعيل الشباب لذواتهم و بناء قدراتهم الإبداعية في كافة المجالات ،وفي نهاية الأمر ، يصبح ( الشباب) الشريحة العُمرية التي تمثل اكثر عناصر المجتمع فعالية راسمالاً مهملاً و نهباً لكل التيارات الضارة .
هذه الظروف المادية و المعنوية مجتمعه هي التي جعلت من الشباب عود الثقاب الذي أشعل الثورة ، و كما يقول الفرنسيون ( لا يفجر الغضب ثورة ، و إنما الذي يفجر الثورات هو الشعور بالغضب ) . بنفس القدر لو كان الفقر أمراً سيئا ، فأكثر منه سوء تعدد أبعاده من تنامي الاحساس بالفقر ، إلى الشعور بالتفاوت الإقتصادي و الاجتماعي ، إلى إنسداد الأبواب للإنفلات منها .
لم يكن الشعور بالظلم الإجتماعي هو المحفز الأوحد للثورة ، إذ ثمة عوامل أخرى لعبت دورها في تحفيز الثوار .
فالإنسان ليس رهيناً دوماً لحاجاته المادية ، بل له ايضا تطلعات اجتماعية ، و أشواق معنوية ، و مراغب مشروعة في ان يحتل مكانه تحت الشمس ، و لعل من أكثر التعبيرات التي عكست هذه المشاعر كما عبرت عن الضجر من القيادات الأبدية ، و الكثير من النماذج لا يتسع المجال هنا لذكرها ، هذا الأمتعاض الصارخ هو تعبير عن فجوة أخرى فاغرة بين شيخوخة السلطة و شبابية المجتمع ، و الشيخوخة هنا ليست فقط ظاهرة عُمرية بل ايضاً معرفية و إدراكية و مزاجية لهذا يصح القول بأن الشعور بالظلم ، و إمتهان الكرامة ، و الوعي بالفقر ، بل الإفقار الناجم عن النهب المنظم لتطلعات وأحلام الشباب السوداني ، كل هذه العوامل مجتمعه دفعت الشباب الذي انطلق من حيث لا يحتسب ( نظام البشير) البائد إلى القيادة العامة _ ميدان الإعتصام _ إلى تفجير ثورة ، بل إشعال وعي جماهيري كانت تقوم به في الماضي النخب السياسية .
تفجير الثورة هذه المرة لم يتم عبر وسائط التعبئة الجماهيرية المعروفة : الأحزاب ، منظمات المجتمع المدني ، بؤر التمرد داخل الجيش ، لأن جميع هذه الوسائط فقدت فاعليتها ، بل مصداقيتها لأسباب مختلفة . من تلك الأسباب إنخذال بعضها في الرشاوي السياسية من جانب ( نظام البشير) مما دمرها مادياً و قيمياً ، او الإنهاك السياسي الذي أضعفها و جعل منها ظاهرة صوتية أكثر منها تنظيمات ذات عمق إجتماعي . من الأسباب ايضا توقف عجلة تفكير القيادات الراغبة في التغيير عن إبتداع وسائل للتغيير تتوافق مع التحولات التي طرأت على المجتمع وتفكير الشباب ، و تلهب خيال العناصر الفاعلة فيه . لكل هذه العوامل تحولت أغلب القيادات المنسوبة للمعارضة وقتذاك إلى منابر إعتذارية مما يؤكده موقفها المُلتبس، مما جعل الشباب يُجاهر قادة أحزابهم والدخول في صدام و العداء و العمل على أسقاط نظام البشير بعيداً عن مؤسساتهم التنظيمية ، و تغييره بنظام يُراعي و يحترم أحلام هولاء الشباب الثائر و لا شك في أن وراء شعار ( تسقط بس ) ، شعار ضمني غير معلن هو إستبدال النظام المخلوع بنظام مُعافى من كل أدواء النظام المخلوع ، و إستبدال الثقافة السياسية السائدة بثقافة خالية من علل و بلايا النظام البائد.
فاجأت تلك الثورة _ ثورتنا المجيدة _ ثورة الشباب السوداني _ ثورة ديسمبر السلمية ، فاجأت هذه الثورة الغراء النُخب السياسية التي تصلبت شرايينها و تكلست عُظامها فأخذت تلهث وراء الثورة لا لتقصي أثرها و إنما لتبديل مسارها و قادتها . ذلك أمر قد يستحيل على قيادات قادمة من زمن أخر و لا تحمل إلا بضاعة قديمة مزجاة .
ليت الراغبين في إستلام مقود الثورة توقفوا عن ذلك اللهاث لحظة واحدة ليوجهوا إلى أنفسهم بضع أسئلة ( أين تنكبنا الطريق ؟ و لماذا غابت عنا كل هذه الجموع المليونية التي خرجت تطالب بالتغيير ؟ و أي تغيير يبتغون ؟ خروج الشباب و تلك الجماهير بالصورة و القدر الذين رأيناه دالة هامة على أن تلك الأحزاب لم تكن أحزاباً تملكها جماهير و إنما لافتات حزبية و ظواهر صوتية ذات دوي . و يلفت النظر أن جميع الأحزاب و القيادات التي سعت للإلتفاف على الثورة وقتذاك، بما فيها تلك التي كانت لها موقف مُلتبس من الشباب الثائر في وجه النظام البائد.
في ذات الوقت تجلى عزم شباب السودان ، و الثورة في رحم الغيب ؛ بل عند البعض مطمحاً عصي التحقيق _ شباباً و رجالاً و نساءاً .. ثابروا على قرع نواقيس الخطر و تعرية النظام البائد علانية و دون مواربة، بعزيمة تنُم فقط عن جرأة فائقة بل ايضاً عن إستبصار كاشف لما هو أت .



