Uncategorizedالرأي

فضيلي جمّاع يكتب : برحيل عبد القادر منعم منصور: يرحل الشاعر/ والأمير الحكيم .. تلميذ حدباي وود القرشي!



رحل عن دنيانا يوم أمس الأول
25 أكتوبر
2025 أحد أعمدة الإدارة الأهلية وأحد حكماء العشائر في بلادنا ، الأمير عبد القادر منعم منصور – له الرحمة من رب رحيم. أعترف بأني حاولت أكثر من مرة أن أرجيء هذا الرثاء لحين تخف مرارة الحزن داخلي فأكتب عن عبد القادر منعم منصور ما لا يعرفه الكثيرون. وأدّعي بحكم صداقتي به – رغم فارق السن بيننا – أنني عرفت الراحل المقيم عن كثب. فكان أن قادت صداقتي به إلى علاقة حميمة بين أسرة والدي المرحوم جماع عبدالله وأسرة الناظر منعم منصور، ناظر عموم عشائر دار حمر. بل أعترف بأني شخصياً صرت أحمل حباً ليس له حدود لكل ما هو حمري حمري .
–
خاصة ما يتعلق بالموروث الشعبي الغني لتلك البقعة الجميلة من الوطن السودان وما يتعلق أيضاً بالفنون والآداب وبالجيرة والتعايش المشترك. كان الأمير الصديق عبد القادر منعم منصور هو مصدري في استقاء الكثير من معلوماتي عن دارحمر
قلت بأني فكرت أكثر من مرة أن أرجيء هذا الحديث عن صديقي الأمير الراحل المقيم عبد القادر منعم منصور لحين تسكن أو تخف جمرة الحزن. لكن يبدو أن سحابة الحزن السوداني وليدة حرب (داحس والغبراء) في زماننا تتمدد ثقيلة حتى كاد البعض أن يصدق ألا نهاية لها. وهي ستنتهي مثلها مثل ما سبقها من حروب في تاريخ هذا الكوكب. وسينمو العشب وتتفتح الأزاهير وتغني الصبايا أغنيات العشق والحياة، وتولد أجيال أفضل منا بكثير. هم من يقومون بإعمار هذا البلد عماراً يدهش العقل والعين!
في حديث هاتفي سريع عقب سماع النبأ الحزين مع شقيقي علي جمّاع – الخبير الأممي في الإدارة – قال عبارة عن رحيل الناظر عبد القادر، بأنه سيقول لعقلاء دار حمر في أي تواصل هاتفي معهم بقصد العزاء، أن وحدة عشائر دار حمر في غاية الأهمية ليس لحمر وحدهم، وإنما لهذه المساحة الضخمة في غرب السودان كله. وأضاف بأنه يخشى إن تمزقت وحدة عشائر دار حمر – لا أراد الله – فإنّ حروباً وليس حرباً واحدة ستنتظم هذا الركن من الوطن. هذا ملخص ما قاله خبير إداري يعرف النسيج الإجتماعي للمنطقة. أرجو أن أكون قد نقلته دون إضافة من عندي أو نقصان. كان عبد القادر منعم منصور -رغم ما عابه عليه بعض خصومه من أنه في آخر سنوات عمره – قد وقع في هفوات قادته إلى احتكاك ومشاحنات مع جيرانه المسيرية وآخرين – إلا إنهم ينسون أن الرجل زعيم قبيلة ، يهرع إلى ما يظن أنه أقرب للنفع لعشيرته. وهو أمر ليس مر ليس
بجديد في تاريخ بلادنا ، خاصة إذا افترضنا بأننا نعيش حقبة تلعب فيها حكومة الأمر الواقع دور مشعل الحرب لظنها أن الحرب بين قبائل السودان تطيل عمر نظامهم الهالك.
الشرتاي الشاعر .. تلميذ حدباي وود القرشي:
ما لا يعرفه الكثيرون أن عبد القادر منعم منصور شاعر جيد العبارة ، خاصة في العامية. وليس ذلك بغريب فالرجل تربطه صلة رحم من جانب أمه بشاعر الحقيبة الكبير الشيخ ود الرضي. وأذكر أن قال لي بأنه التقى في شبابه الباكر ود الرضي وقرأ عليه بعض قصائده. وأن ود الرضي قال له بالحرف: (يا عبد القادر يا ود بنتنا إنت شاعر..إنت شاعر). وأظن أن شاعريته تفتقت في بواكير الستينات حين ظل يزور الأبيض باستمرار من قرية (أم قرنا جاك) الواقعة في حدود المرعى والزراعة بين حمر والمسيرية ، حيث عينه وقتذاك أبوه الناظر منعم منصور شرتاي (ناظر محكمة) عليها. وقد حكى لي الراحل قصة لا تخلو من طرافة قادت إلى صداقة عميقة بينه وبين شاعر الحقيبة الشهير حدباي، جعلت حدباي يصر على مصلحة الأشغال وقتها بنقله من الأبيض حاضرة كردفان وإحدى عواصم الثقافة والفن في السودان آنذاك إلى ام قرنا جاك. كان في الأبيض وقتها من كبار شعراء الحقيبة وأغنية الحداثة في السودان الشعراء: سيد عبد العزيز وحميدة أبوعشر وحدباي ومحمد علي الأمي وقاسم عثمان بريمة ، وطبعاً صاحب صالون الثقافة ومجدد النغم الشاعر محمد عوض الكريم القرشي. إضافة إلى ميلاد فرقة فنون كردفان بقيادة الموسيقار جمعة جابر وأمين الربيع والإعلامي عوض محمداني- عليهم جميعاً رضوان الله. شهر حدباي بين هؤلاء بإفراده بين الحين والآخر مقطعاً شعرياً في أحد الأمور – وغالباً ما يكون في الغزل. ويطلب من الشعراء مجاراته. ومن تلك المقاطع أن حدباي شاهد طالبات إحدى المدارس وهو في طريقه للعمل بمصلحة الأشغال في رئاسة المديرية. ورغم تقدم السن فقد استهواه المنظر، فكتب يقولنظر، فكتب يقول
:
بص المدرسة البصيتلُو بصّة عابرْ
ومن داخلو انطلقْ سهماً يولْوِلْ هادرْ
حشّ حشايا ما خلّالي ضلْعاً جابرْ
كيفنُّو الخلاصْ؟ يا شُعرا فيكُم خابرْ؟؟
تلقف الشعراء الرمية وكلٌّ يحاول مجاراة حدباي ومواساته
.
يقول لي عبد القادر بأنّ الرمية وصلته في (ام قرنا جاك) في مظروف مع أحد سائقي اللواري. فلم يتوان في الرد على حدباي حالاً بالآتيتي
:
عم حدباي بجيبك مع إني لستُ بخابرْ
وتجرُبْتي القليلة أنا بيها راضِي وصابرْ
حذارِ من النّظر في كلِّ بصاً عابرْ
واجْتَرْ ذكرياتْ ماضي الحقيبهْ الغابرْ
إلى أن يقول
:
ولوْ إنت أستاذ الغرامْ وشاعر الحقيبة النادرْ
وأستاذ العشقْ الدِّيمة فيهو محاضرْ
ماكْ قادرْ ترضى بالقليلْ ما قادرْ
فكيف يعملْ إبنكْ الشرتايْ عبد القادرْ ؟
يقول لي عبد القادر بأنّ هذه المجاراة قد جعلت عم حدباي يتقدم بطلب للأشغال بنقله لقرية ام قرناً جاك ككاتب دونكي. ولتدوم صحبته مع شاعر الحقيبة الكبير حدباي – إبن شمبات الوريفة – قرابة الثلاث سنوات في ذلك الجزء من بلادنا. ويعترف بأنه تلقى من أخبار الحقيبة وسيرة كبار شعرائها ما لم يكن يحلم به. ويشهد بأنّ حدباي كان من أخلص وأوفى أصدقاء شاعر الوطن خليل فرح.. خاصة في أيام الخليل الأخيرة وهو يعاني وقتذاك من مرض السل القاتل. وأن حدباي قد حكى له عن خليل فرح وجيل الخليل ما لم يكن يحلم بمعرفته. يضيف بأن الطريف هو أنّ البص بسبب تلك المساجلات أصبح مثار إدعاء بملكيته بين الأبيض الثانوية بنات وكلية معلمات الأبيض
!

يقول أبو الرواية الأفريقية المعاصرة شينوا أشيبي بأنه كلما بلغه نبأ رحيل أحد حكماء العشائر الأفريقية تأكد له أن مكتبة بأكملها قد اندثرت قبل أن نجمع ما بها من حكمة وسداد رأي. لقد جاء رحيل الأمير عبد القادر منعم منصور في وقتٍ كثر فيه الموت المجاني الرخيص. وقام فيه للزعانف وقصار القامة ريش ومخالب. وصار التطريب فيه لساقطات ابتليت بهن الساحات ، وأغرق زعيقهن كل منتدى حتى صار الكل يحن إلى يوم أمس وينادونه بالزمن الجميل..وهذا ما أخشي أن يقود فهم الأجيال الناشئة بكل أسف إلى أننا أمة تبكي ماضيها ولا تعرف أن الصواب هو أن تغني لمقبل أيامها وصناعة مستقبلها مهما تكالبت عليها الكوارث. لكني واثق إنّ أمة أنجبت طهارقا والمك نمر والمهدي والسلطان تاج الدين والسلطان عجبنا وود حبوبة وعبد الفضيل الماظ.. أمة أنجبت التجاني الماحي والمجذوب ومحمد المكي ابراهيم والكاشف وعثمان حسين ووردي .. أمة أنجبت شهداء منهم على سبيل المثال لا الحصر: علي فضل والتاية والسنهوري وقصي والأستاذ احمد الخير – أمة كهذه لن تخرب ديارها
.

تقبلك الله إلى جواره يا صديقي الناظر الشاعر عبد القادر منعم منصور في جنات النعيم. تعازينا للوطن كله فيك ونخص بالتعازي الأهل في عشائر دار حمر بتعددها الذي وصفوه بفروة النمر لجمال ألوانه ولوحدته وليس تنافره. فالتعدد كان نعمة منذ الأزل إن أحسن الناس ضبطه وتوظيفه لحالهم ومآلهم. ونخص بالعزاء بيت النظارة نساءً ورجالاً وأسرة الناظر صديقي وصديق الأسرة. يحكي لي أخي العمدة يحي جمّاع بأن أول سؤال له حين التقاه الأمير عبد القادر في احد المؤتمرات أن سأله عن عافيتي وعافية زوجتي وأطفالي..وأنه اشتاق أن يسمع صوتي فهو يعترف بأنه قليل التواصل كتابة !
لك الرحمة يا صديقي. فإن غيب الموت مكتبة بغيابك فعشمنا أنّ حواء السودانية ولود. ولن ينجب رحمها إلا الحكماء والحكيمات ومن يعمرون أرضها. فالخراب الذي شهدته في آخر أيامك ليس سوى سحابة صيف يعقبها مطر تنبت بفعله الورود والأزاهير في بلادنا قريباً وقريباً جدا بإذن الله.
.

ﻓﻀﻴﻠﻲ ﺟﻤّﺎﻉ
ﻟﻨﺪﻥ ﻓﻲ7 2 ﺃﻛﺘﻮﺑﺮ 2025ﻡ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى