Uncategorizedالرأي

ترَجَّلَ الفارسُ وبقيَ الوجع : شارف فضل الله حامدين! عندما يصبح الرحيل جرحًا في قلب كردفان

بقلم: فاطمة لقاوة

ليس كلُّ رحيلٍ يُشبه الرحيل، وليس كلُّ موتٍ يُختصر في خبرٍ عادي تتناقله المجالس، فثمة رجالٌ حين يغادرون، يتركون وراءهم فراغًا لا تملؤه الأيام، ووجعًا لا تستطيع الكلمات أن تحتويه، وذكرياتٍ كلما حاول الزمن أن يهدّئها، أعادتها الدموع إلى الواجهة من جديد،
هكذا هو رحيل الشاب الجنرال شارف فضل الله حامدين؛ رحيلٌ لا يُوجع أسرته ورفاقه وحدهم، بل يفتح جرحًا عميقًا في ذاكرة كردفان، ويضعنا أمام حقيقةٍ موجعة: أن هذه الحرب لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تنتزع من البيوت أبناءها، ومن الآباء فلذات أكبادهم، ومن الأمهات أحلامهن، ومن الأوطان شبابًا كان يمكن أن يكونوا جزءًا من مستقبلٍ أكثر أمنًا واستقرارًا.
## شارف،، شابٌّ رحل، وحكايةٌ أكبر من الموت
لم يكن شارف، في الذاكرة التي رسمتها مواقفه ومسيرته، مجرد شابٍ حمل رتبةً عسكرية، ولا إسمًا يُضاف إلى قوائم الراحلين في زمن الحرب، لقد كان بالنسبة إلى من عرفوه ورافقوه، صورةً للقائد الذي إرتبط إسمه بالميدان، والرجل الذي آرتبطت سيرته بالشجاعة والإقدام والثبات في اللحظات العصيبة.
أكثر ما يوجع في رحيل شارف ليس فقط أن فارسًا قد ترجل، وإنما أن شابًا في عمر العطاء قد أُغلق كتاب حياته قبل أن تكتمل فصوله، كم من حلمٍ كان ينتظره؟ وكم من لحظةٍ كان يمكن أن تجمعه بأهله بعيدًا عن أصوات الرصاص؟ وكم من عودةٍ كانت الأسرة تتمناها، لا تحمل خبرًا عن بطولةٍ أو معركة، بل تحمل إبنها حيًّا، يدخل الباب فتستعيد الدار شيئًا من طمأنينتها؟
تلك هي الفجيعة التي لا تظهر في بيانات النعي، ولا تستطيع الرتب العسكرية أن تخفف من قسوتها، فخلف الجنرال الذي يتحدث الناس عن شجاعته، هناك إنسانٌ له أهلٌ ينتظرونه، ووجوهٌ ألفت حضوره، وقلوبٌ لم تكن تتخيل أن يأتي يومٌ تصبح فيه ذكراه أثقل من إحتمالها.
الموت قد يُنهي حياة الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثره، ولا أن ينتزع من ذاكرة محبيه ما تركه من مواقف ووفاء، ولذلك، فإن شارفًا الذي غاب جسده، سيظل حاضرًا في حكايات رفاقه، وفي ذاكرة أسرته، وفي كل قلبٍ رأى فيه معنى الشجاعة والإخلاص.
## آل فضل الله،،، بعد أن يتجاوز الحزن حدود الإحتمال،غير أن الحزن على شارف يزداد قسوةً لحظة أن نضع رحيله في سياق الفاجعة التي تعيشها أسرته؛ أسرة الخال فضل الله حامدين، المعروف بـ«فضل الله مشاكل»، التي قدّمت ثمانية من أبنائها شهداء، فيما أصيب إبنٌ آخر بالشلل في ميادين القتال.
ثمانية شهداء! ما أقسى أن تتحول الأسماء التي كانت تُنادى بالمحبة داخل البيوت إلى أسماءٍ تُستعاد في مجالس العزاء، وما أثقل أن تصبح ذاكرة الأسرة دفترًا للفقد، وأن يحمل الأب في قلبه وجوه أبنائه الذين سبقوه إلى الرحيل، بينما لا يزال مطالبًا بأن يقف أمام الناس، ويستقبل المعزين، ويشدّ من أزر الآخرين، وكأن قلبه لم يتشقق تحت وطأة المصاب.
ثمانية أرواحٍ من أسرة واحدة، وابنٌ آخر يحمل جراحًا غيّرت حياته إلى الأبد، أيُّ أبٍ يستطيع أن يصف هذا الوجع؟ وأيُّ كلماتٍ يمكن أن تواسي رجلًا دفعت أسرته من دمها وأعمار أبنائها هذا الثمن الباهظ؟إننا حين ننظر إلى صبر فضل الله حامدين، لا ينبغي أن نرى فيه مجرد صورةٍ للرجل الصامد الذي لا تنكسر قامته؛ بل ينبغي أن نتذكر الإنسان الذي يحق له أن يحزن، والأب الذي يحق له أن يبكي أبناءه، والرجل الذي مهما إشتدت عزيمته، يظل قلبه قلب أبٍ فقد من أبنائه وأهله من لا يعوّضهم شيء.
ليس من العدل أن نطلب من الآباء أن يكونوا جبالًا طوال الوقت، ولا أن نختزل صبرهم في كلمات الإشادة بصلابتهم، فالصبر لا يعني غياب الألم، والقوة لا تعني أن القلب لم ينكسر، والإيمان لا يلغي حق الإنسان في البكاء على أحبته.
إلى الخال فضل الله حامدين، نقول: نعزّيك في شارف، وفي كل روحٍ عزيزة فقدتها هذه الأسرة المكلومة، ونعلم أن كلماتنا، مهما بلغت من الصدق، لن تعيد غائبًا، ولن تمحو ذكرى الراحلين، لكننا نرجو أن تجد في تضامن المحبين بعض العزاء، وأن يحيط الله قلبك بلطفه ورحمته، وأن يمنحك من الصبر ما يعينك على إحتمال ما لا تكفي الكلمات لوصفه.
##يا كردفان التي تدفع من أرواح أبنائها، كم مرةً حملتِ الحزن على كتفيكِ، وكم مرةً ودّعتِ أبناءكِ وهم في عمر الأحلام؟ كم بيتًا أطفأت الحرب ضحكته، وكم أمًّا باتت تخشى رنين الهاتف، وكم أبًا صار يخاف الأخبار التي تأتي من الميدان؟ مأساة شارف ليست منفصلةً عن المأساة السودانية الكبرى؛ إنها جزءٌ من نزيفٍ مستمر يدفع ثمنه الناس من أرواح أبنائهم، ومن إستقرار أسرهم، ومن مستقبل أجيالهم، وعندما نفقد شابًا في عمره، فإننا لا نفقد حاضرًا فحسب، بل نفقد أيضًا إحتمالًا لمستقبلٍ كان يمكن أن يكون مختلفًا،
ولهذا، فإن الوفاء للشهداء لا ينبغي أن يتوقف عند البكاء عليهم، أو ترديد عبارات الفخر ببطولاتهم، الوفاء الحقيقي يقتضي أن نتمسك بقيمة الحياة التي فقدوها، وأن نعمل من أجل مستقبلٍ لا تضطر فيه الأسر إلى عدّ أبنائها بين الأحياء والراحلين، ولا يصبح فيه الموت خبرًا يوميًا اعتاد الناس سماعه حتى كادت فداحته تفقد قدرتها على إيقاظ الضمائر.
كردفان تستحق السلام، وأهلها يستحقون أن يعيشوا بعيدًا عن الخوف، وأن يدفنوا موتاهم بكرامة، وأن يستقبلوا أبناءهم العائدين إلى بيوتهم، لا أن ينتظروا أخبار رحيلهم.
شارف فضل الله حامدين، اليوم ننعـاك لا لأنك حملت رتبة الجنرال فحسب، بل لأنك كنت شابًا من أبناء هذه الأرض، ولأن وراء إسمك أسرةً موجوعة، ورفاقًا يفتقدونك، وأبًا أثقلته الخسارات، وذاكرةً ستظل تستعيد حضورك كلما ذُكرت أيام الحرب وقسوتها.
ننعـاك بقلوبٍ حزينة، لا تستطيع أن تتصالح بسهولة مع فكرة أن شابًا آخر قد غادر الحياة، وأن بيتًا آخر أُضيف إلى خريطة الفقد السودانية، ننعـاك ونحن نعرف أن كلمات الرثاء لا تعيد الراحلين، لكنها تحفظ أسماءهم من النسيان، وتمنح أحزان أهلهم صوتًا، وتذكّر العالم بأن وراء كل شهيد حكاية إنسانية لا يجوز أن تختزل في رقم أو رتبة أو صورة.
ترجّل الفارس، نعم، لكن سيرته ستبقى في ذاكرة من أحبوه، وستظل حكاية آل فضل الله شاهدًا موجعًا على الثمن الذي تدفعه الأسر السودانية في هذه الحرب،ومع ذلك، فإن أعظم ما يمكن أن نتمناه لشارف ولجميع الراحلين هو أن يكون رحيلهم آخر الأحزان، وأن يأتي يومٌ لا تُكتب فيه أسماء شبابنا على صفحات النعي، بل على صفحات البناء والعلم والسلام.
رحم الله الجنرال الشاب شارف فضل الله حامدين، ورحم شهداء آل فضل الله جميعًا، وجعل ذكراهم باقيةً في قلوب أهلهم ومحبيهم، وألهم الخال فضل الله حامدين وأسرته الكريمة الصبر والسلوان.
سلامٌ على شارف يوم كان بين أهله ورفاقه، وسلامٌ على ذكراه يوم صار غائبًا حاضرًا في القلوب، وسلامٌ على كردفان وهي تتطلع إلى فجرٍ تتوقف فيه مواكب الموت، وتعود فيه الحياة إلى البيوت التي أنهكها الفقد.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

الأحد،١١إكتوبر/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى