Uncategorizedالتقارير

المنظمة الافرفيقة : اتفاقيات السودان (1956-2026): “سلام النخب” في مواجهة “حروب الهوية”.. قراءة في سبعة عقود من الفشل المستمر

​
تقرير ـ مسارات نيوز

​بينما تدخل الحرب السودانية عامها الثالث في أبريل 2026، أصدرت “المنظمة الإفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية” بحثاً تاريخياً وتحليلياً شاملاً يضع الدولة السودانية تحت مجهر النقد الأكاديمي. البحث الذي يحمل عنوان “اتفاقيات السلام في السودان منذ الاستقلال”، لا يكتفي بسرد التواريخ، بل يفكك “شيفرة الفشل” التي جعلت من السودان مختبراً إنسانياً فريداً لاتفاقات السلام الهشة التي لا تلبث أن تنفجر حرباً أكثر ضراوة.

​الجذور المسمومة: تركة الاستعمار وأزمة التأسيس


​يرى البحث أن أزمة السودان لم تبدأ مع الرصاصة الأولى في توريت عام 1955، بل غُرست بذورها في “سياسة المناطق المقفولة” عام 1922.

لقد تعمد الاستعمار البريطاني خلق “سودانين”؛ شمال مرتبط بالمؤسسات والتعليم واللغة العربية، وجنوب معزول تنموياً وثقافياً. هذا الانقسام البنيوي أدى إلى فجوة شرعية في “مؤتمر جوبا 1947″، حيث قُررت وحدة البلاد دون تفويض شعبي حقيقي، مما جعل الحرب الأهلية قدراً محتوماً لحظة رفع علم الاستقلال عام 1956.

​من أديس أبابا إلى نيفاشا بريق الوعود وعتمة التنفيذ


و ​يستعرض البحث محطتين بارزتين في تاريخ التسويات و هما ​اتفاقية أديس أبابا (1972) التي اعتبرها البحث قصة نجاح مؤقت، سقطت لاحقاً بسبب مركزية السلطة وأطماع الموارد (النفط) وقرارات الرئيس نميري الأحادية في 1983.

​اتفاقية السلام الشامل (2005) التي أنهت أطول حرب في إفريقيا لكنها أسست لانفصال الجنوب في 2011.
و ينقد البحث هذه الاتفاقية لكونها “ثنائية إقصائية”، حيث تجاهلت أزمة دارفور المشتعلة حينها، وتركت مناطق (أبيي، جنوب كردفان، النيل الأزرق) قنابل موقوتة انفجرت بمجرد إعلان الانفصال.

​دارفور واتفاقية جوبا.. تدوير الأزمات!!

و ​يحلل البحث بمرارة مسارات سلام دارفور (أبوجا، الدوحة، جوبا)، واصفاً إياها بـ “اتفاقيات المحاصصة”، ففي اتفاقية جوبا 2020، تحول السلام إلى صفقة بين “نخب مسلحة” لتقاسم مقاعد السلطة، دون مخاطبة قضايا النازحين، الأرض، أو العدالة الانتقالية.

هذا النمط النخبوي أدى إلى غياب الحاضنة الشعبية، وجعل الاتفاقية تنهار أمام أول اختبار حقيقي للصراع على النفوذ.

و ​خصص البحث حيزاً واسعاً للحرب الحالية (15 أبريل 2023)، معتبراً إياها صراعاً وجودياً بين الجيش وقوات الدعم السريع.

ويفسر البحث فشل مبادرات “جدة”، “إيغاد”، و”جنيف” حتى عام 2026 بعدة عوامل منها ​تضارب الأهداف و صراع صفري بين مؤسستين عسكريتين على السيادة المطلقة ، بالاضافة الى ​التدخل الإقليمي و انقسام القوى الخارجية وتزويد الأطراف بالسلاح، مما جعل الحل العسكري يطغى على المسار السياسي.


و ​غياب الضمانات حيث انتج اتفاقات “بلا أسنان” تفتقر لآليات حقيقية للمساءلة أو المراقبة الدولية.
و ​يختتم البحث بتقديم رؤية استراتيجية للخروج من النفق المظلم، مؤكداً أن أي سلام مستدام في السودان يجب أن يرتكز على​الشمولية الكاملة وإشراك النساء، الشباب، لجان المقاومة، والنازحين كأطراف أصيلة لا ديكور سياسي و ​إصلاح القطاع الأمني و بناء جيش وطني واحد بعقيدة مهنية، وتفكيك بنية الميليشيات، و ​دستور المواطنة بتأسيس دولة مدنية فيدرالية تعالج أزمة الهوية وتوزع الثروة بعدالة.


و تحقيق ​العدالة الانتقالية و محاسبة مرتكبي الجرائم كشرط لا غنى عنه للمصالحة المجتمعية.

​إن هذا البحث ليس مجرد استعراض للمواجع السودانية، بل هو صرخة أكاديمية تنبه بأن “تكرار نفس المدخلات لن يؤدي إلا لنفس النتائج الكارثية”، وأن سلام السودان يحتاج إلى “خطة مارشال” وطنية ودولية تعيد بناء الإنسان قبل البنيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى