
فاطمة لقاوة تكتب الفاشر تُحاصر الأكاذيب، لا العكس”
في مشهد يعيد إنتاج مسرحيات البكاء الزائف على الوطن، خرج إعلام بورتسودان ليذرف دموعًا سخية على “حصار الفاشر”، متناسياً – عمدًا – أن من أشعل فتيل الحرب في قلب الخرطوم، ومن صمّ أذنيه عن نداءات السلام، لا يحق له اليوم التباكي على ضحايا معركة كان هو أول من أدار مُحَرِكها.
فاشر السلطان اليوم ليست محُاصَرة بقدر ما أنها مُحاصِرة لآخر أوهام المشروع السلطوي الذي أرادت عصابة بورتسودان فرضه على السودان من بوابة القوة والفتن العرقية.
هي المدينة التي تجاهلتها عصابة بورتسودان وسجلت إسمها في دفتر الإستغلال المُمنهج لا كمدينة محاصَرة، بل كعقدة فشل في عقل المركز.
حين تيقّن قادة بورتسودان من أن قواتهم إنهزمت ميدانيًا، وأن حِلف المصالح بينهم وبين المليشيات المرتزقة في طريقه إلى الإنهيار، أعادوا ضبط بوصلتهم نحو الفاشر، ولكن هذه المرة بلغة الإنسانية الزائفة.
يحاولون إستدرار العطف الدولي والداخلي، لا حُبًا في أهل دارفور، بل طمعًا في عودة التوازن العسكري والسياسي المنهار.
يختبئون خلف معاناة المدنيين، بينما كانوا أول من إستخدم المدنيين دروعًا بشرية في معارك الخرطوم وسنار ومدني وكردفان ودارفور الآن.
يتحدثون عن “الممرات الإنسانية” بعد أن سدّوا الطرقات أمام قوافل الرحمة طوال عام ونصف.
ينادون بوقف إطلاق النار الآن، فقط لأن النيران بدأت تلتهم أحلامهم، لا خوفًا على دماء الأبرياء.
حروب المدن، في كل مكان، قاسية ودموية، لكن هل سمعنا من عصابة بورتسودان كلمة واحدة حين تحوّلت الخرطوم إلى مقبرة جماعية؟ هل تحرّك فيهم ساكن عندما حُرم أهل كردفان من الغذاء والدواء والتعليم والخدمات لأكثر من عامين؟ ثم رموا عليهم حِمم براميل الأنتنوف فوق رؤسهم .
اليوم فقط، حين إنكسرت شوكتهم في الفاشر، إستيقظ ضميرهم الإنتقائي، فراحوا يصيحون:”المدنيون في خطر”!الفرق شاسع بين من يقاتل من أجل وطن، ومن يقاتل من أجل كرسي.
تحالف تأسيس، ومن خلفه كل القوى الحية، نادى مِرارًا بفتح المسارات الآمنة، ووقف إطلاق النار، وتسليم الفاشر دون قتال، لكن الرد جاء من بورتسودان على هيئة شحن مستمر للمليشيات، وخطابات تحريضية-(مورال فوق،المشتركة سم الجنجويد)- لا تخطئها العين والأذن.
إن الحقيقة التي يهرب منها إعلام بورتسودان هي أن الحرب إقتربت من خواتيمها، وأن أدوات التجييش الإعلامي لم تعد تقنع أحدًا.
لم تعد دارفور تُختطف كصورة للهامش المُستغَل، بل أصبحت مسرحًا لتعرية النوايا.
هم لا يريدون إنقاذ إنسان الفاشر، بل يريدون إنقاذ مشروع سياسي يتهاوى تحت أقدام الحقيقة، وحين يفشل المشروع، تبكي الوجوه الكالحة بدموع التماسيح.
شعب السودان، الذي خَبِر الكذب وخَبَره، بات يعرف أن من يخرج أهله إلى تركيا والقاهرة، لا يحق له الحديث بإسم من يموتون في الفاشر، أو يمشون على الرماد في نيالا، أو ينامون على الحصير في الأبيض.
لا حصار على الفاشر إلا من أكاذيبهم، ولا دموع صادقة إلا تِلك التي تذرفها الأمهات على أولادهن ، لا تلك التي تذرفها شاشات الخداع في بورتسودان.



