Uncategorizedالرأي

السودان بين سؤال السيادة وشبح النفوذ المصري

عمار سيد احمد ابوجلابية

 

ظل السودان وطنًا بلا سيادة منذ بزوغ فجر الاستقلال، حيث أصبح التأثير المصري على القرار السيادي السوداني كبيرًا، فأصبح السودان رهينًا للسياسات المصرية الاستعمارية، حيث ظلت مصر تتعامل مع السودان وكأنه إحدى مستعمراتها، واعتادت نهب ثرواته على مر العصور، بل تطور الأمر إلى أبعد من ذلك، حيث تعمدت مصر سرقة التاريخ السوداني ومحاولة طمس هوية السودان وتاريخه.

وأصبحت مصر تتحكم في المؤسسة العسكرية السودانية، حتى إن الجيش السوداني نفسه يعتبره البعض صناعة مصرية، لأنه تأسس قبل الدولة السودانية بأكثر من ربع قرن، فأصبح النفوذ المصري طاغيًا على بنيته، وحتى الترقيات كانت تأتي من مصر، وإلى عهد قريب لم يكن وزير الدفاع يُعيَّن إلا بموافقة المصريين، فأصبح السودان بالنسبة إلى مصر بمثابة الحديقة الخلفية التي تتحرك فيها كما تشاء.

والأسوأ من ذلك أن مصر ومخابراتها ظلت تعمل، بحسب ما يراه كثير من السودانيين، على تأجيج الصراع في السودان، خاصةً وسط مجتمعات الهامش التي ظلت تنادي بالتحرر من التبعية وبناء دولة سودانية مستقلة القرار.

وظلت آلة الحرب المصرية، وفق ما يتهمها به سودانيون، حاضرة في تاريخ الصراعات السودانية، من جنوب السودان إلى جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، وصولًا إلى استهداف البنية التحتية والمصانع في الخرطوم، في مسعى يراه منتقدو السياسة المصرية محاولةً لإضعاف الدولة السودانية، وتحويل السودان إلى مجرد سوق للمنتجات المصرية ومصدر للموارد والثروات.

كما ظلت مصر، في نظر كثير من السودانيين، ترعى الانقلابات العسكرية وتعمل على إعاقة التحول المدني الديمقراطي في السودان، وتستخدم نفوذها السياسي والأمني للحفاظ على أنظمة تخدم مصالحها، بينما يُترك الشعب السوداني يدفع ثمن هذه السياسات من دمائه ومستقبل أبنائه.

ولم يتوقف الأمر عند السياسة والعسكر، بل امتد إلى الاقتصاد، حيث ظلت اتهامات تُثار حول إغراق السوق السوداني بالعملة المزورة، واستغلال ضعف الدولة السودانية لشراء المنتجات والموارد السودانية، ثم إعادة تصديرها تحت مسميات أخرى، وكأن السودان مجرد مخزن مفتوح أمام الآخرين.

لكن المؤامرة المصرية تجاه الشعب السوداني، كما يراها كثير من السودانيين، أصبحت أكثر وضوحًا خلال هذه الحرب.

فمع اندلاع الحرب الحالية، لم يعد السؤال متعلقًا بالنفوذ السياسي وحده، وإنما أصبح متعلقًا بالدعم العسكري المباشر وغير المباشر، وبالدور الذي تلعبه الدول الإقليمية في استمرار الحرب وإطالة أمدها.

وتتزايد الاتهامات بشأن مشاركة مصر في الحرب السودانية، بما في ذلك ما يتعلق بالطيران والعمليات العسكرية، وهي اتهامات يجب أن تخضع للتحقيق المستقل، لأن دماء السودانيين ليست مجالًا للمساومات السياسية، ولأن أي دولة يثبت تورطها في استهداف المدنيين يجب أن تتحمل مسؤولية أفعالها.

وكذلك ما يسمى بالأسلحة الكيميائية التي قيل إنها استُخدمت ضد الشعب السوداني في جبل موية والجيلي والخرطوم وبعض مناطق دارفور وكردفان، وهي قضية خطيرة لا يجوز أن تمر بالصمت، بل يجب التحقيق فيها بصورة مستقلة، وتحديد الجهة التي استخدمتها والجهة التي وفرتها، إذا ثبت استخدامها أصلًا.

أما ما حدث للمعدنين السودانيين في شمال الوادي، وما خلّفه من قتلى وجرحى، فهو مثال آخر على أن حياة المواطن السوداني أصبحت رخيصة في حسابات السياسة، والأكثر إيلامًا أن الحكومة التي يُفترض أن تحمي مواطنيها تعاملت مع الأمر وكأن الأرواح السودانية التي أُزهقت لا تستحق حتى بيانًا واضحًا أو موقفًا يليق بدماء الضحايا.

والخطر الأكبر الذي أصبح مهددًا لحياة شعب الهامش هو قاعدة العوينات العسكرية، التي يرى منتقدوها أنها أصبحت نقطة انطلاق لاستهداف المدن السودانية والشعوب الحرة. ولذلك أصبح مطلب إزالة هذه القاعدة العسكرية، بالنسبة إلى قطاعات من السودانيين، مطلبًا شعبيًا، لأن دماء السودانيين ليست للمساومة، ولأن أرض السودان لا ينبغي أن تتحول إلى منصة تُدار منها عمليات تستهدف الشعب السوداني.

إن السودان اليوم لا يواجه حربًا داخلية فقط، وإنما يواجه شبكة معقدة من المصالح والتدخلات الخارجية التي جعلت من أرضه ساحةً لصراع الآخرين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية يجب أن تكون من أجل استعادة القرار السوداني، وبناء دولة سودانية مستقلة لا تتحكم فيها القاهرة ولا الرياض ولا غيرهما؛ دولة يكون قرارها من الخرطوم، وثرواتها للشعب السوداني، وجيشها مؤسسة وطنية لا أداة في يد أي دولة أجنبية.

على الشعوب الحرة أن تنهض، وأن ترفض التبعية والاستعمار الجديد بكل أشكاله، وأن تدافع عن حقها في السيادة والكرامة والاستقلال.

والسودان ليس حديقة خلفية لمصر، وليس سوقًا للمنتجات المصرية، وليس مخزنًا لثرواتها، وليس ساحةً لتصفية حساباتها الإقليمية.

السودان للسودانيين.

وسيظل الشعب السوداني، رغم كل الجراح، قادرًا على استعادة وطنه وقراره وثرواته، وبناء دولة لا يكون فيها القرار إلا سودانيا .

عمار سيد احمد ابوجلابية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى