
19 سبتمبر 2026
لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، ولم يعد مستقبل السودان يُبحث داخل حدوده وحدها. فكلما اتسعت دائرة الحرب، اتسعت معها دائرة التدخلات والوساطات والتحالفات الإقليمية والدولية، وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: حين يجتمع البرهان مع بن سلمان، وحين تتحرك واشنطن في اتجاه جديد، وحين تتقاطع مواقف القاهرة والرياض وأبوظبي وواشنطن.. أين السودان؟ وأين الإرادة السودانية في كل ذلك؟
زيارة البرهان للسعودية ولقاءاته مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تأتي في سياق تحرك إقليمي ودولي متسارع لإنهاء الحرب. وقد ارتبطت التحركات السعودية والأمريكية خلال الأشهر الماضية بمحاولات إعادة إطلاق مسار السلام، فيما أكدت الرياض رسميًا دعمها لوقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان ومؤسسات الدولة، مع التشديد على أن الحل السياسي ينبغي أن يكون سودانيًا-سودانيًا.
لكن المشكلة أن كل طرف ينظر إلى السودان من زاوية مختلفة.
السعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة، وإلى ضرورة الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها. ومصر تربط أمنها الاستراتيجي باستقرار السودان ووحدة مؤسساته. أما الولايات المتحدة فتبدو اليوم أكثر استعدادًا للضغط على طرفي الحرب معًا، بعدما أعلنت واشنطن أن لا مستقبل سياسيًا لقائدي الطرفين العسكريين في حكم السودان بعد الحرب.
وهنا تبدأ المفارقة.
فبينما كانت واشنطن في مراحل سابقة تتحرك من خلال الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، فإن الموقف الأمريكي يبدو الآن أكثر تشددًا تجاه استمرار الحرب، وأكثر تركيزًا على انتقال سياسي مدني بعد وقف القتال.
وقد تضمنت المبادرة الأمريكية المطروحة هدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، يعقبها التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، ثم مسار يقود إلى انتقال مدني وانتخابات، إلى جانب ترتيبات تتعلق بإعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة. لكن الخلاف حول انسحاب الدعم السريع من المدن ظل إحدى العقبات الأساسية أمام قبول الخطة.
ثم جاءت الخطوة الأمريكية الأحدث داخل مجلس الأمن: الدفع باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله، في محاولة للضغط على الأطراف المتحاربة لوقف القتال. ولا تزال هذه المسألة موضع نقاش داخل المجلس، وسط اعتراض روسي وتحفظات مرتبطة بالسيادة والاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تبدو سلطة بورتسودان أمام سؤال أكبر من سؤال الحرب نفسها.
ماذا بعد الحرب؟
فإدارة الحرب شيء، وإدارة الدولة شيء آخر.
الدولة التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى اقتصاد قادر على إعادة الحياة، ومؤسسات قادرة على تقديم الخدمات، ونظام سياسي يعيد بناء الشرعية، ومشروع وطني يعالج جذور التهميش والانقسام، لا مجرد إعادة توزيع السلطة بين القوى التي كانت جزءًا من الأزمة.
وهنا تكمن أزمة سلطة بورتسودان: فالمعادلة العسكرية لا تستطيع وحدها إنتاج دولة مستقرة، والانتصار العسكري ــ إن تحقق لأي طرف ــ لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة السياسية.
والأخطر أن يتحول السودان إلى ساحة تتفاوض فيها القوى الإقليمية والدولية حول مصالحها، بينما يُترك السودانيون للتفاوض حول آثار الحرب فقط.
لقد أصبح التدخل الخارجي أحد العوامل التي لا يمكن تجاهلها في الحرب السودانية. والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعا أخيرًا إلى محاسبة الدول التي تمد أطراف الصراع بالسلاح عندما تُستخدم هذه الأسلحة ضد المدنيين، فيما أكدت بعثة أممية لتقصي الحقائق أن الدعم العسكري الخارجي ساهم في استمرار الحرب وتوسيع قدرة الأطراف على ضرب مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة.
إذن، ليست القضية فقط: من ينتصر؟
القضية الأهم هي: أي سودان سيخرج من هذه الحرب؟
هل سيخرج سودان تحكمه موازين القوة العسكرية والتحالفات الإقليمية؟
أم سودان يعاد تأسيس دولته على قاعدة المواطنة والعدالة والمساواة؟
وهنا تحديدًا يجب أن ينتقل النقاش من سؤال البرهان أم حميدتي؟ إلى سؤال أكبر: السودان أم السلطة؟
فالولايات المتحدة يمكن أن تضغط، والسعودية يمكن أن تتوسط، ومصر يمكن أن تتحرك، والإمارات يمكن أن تؤثر، والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد يمكن أن يطرحوا المبادرات؛ لكن لا تستطيع أي من هذه القوى أن تبني دولة سودانية بالنيابة عن السودانيين.
والتحرك الدولي الأخير نفسه يؤكد أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع مستقبل السودان باعتباره قضية تتجاوز استمرار المعارك. فالخماسية الدولية ــ الاتحاد الأفريقي والإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ــ تحركت خلال سبتمبر لإجراء مشاورات مباشرة مع أصحاب المصلحة السودانيين، وقالت إنها تعمل من أجل مسار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية ديمقراطية، بالتنسيق مع الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا هو:
هل يكون السودانيون شركاء في صناعة مستقبلهم، أم مجرد أطراف تُستدعى للتوقيع على ما تصنعه القوى الأخرى؟
إن السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد هدنة توقف المدافع، ولا اتفاقًا يعيد ترتيب المقاعد بين النخب والقوى المسلحة.
السودان يحتاج إلى سلام يؤسس لدولة.
دولة لا تكون فيها المؤسسة العسكرية بديلًا عن السياسة، ولا تكون فيها الميليشيا طريقًا إلى السلطة، ولا يكون فيها الخارج هو صاحب الكلمة الأخيرة، ولا يعود فيها المواطن مجرد وقود للحرب أو جمهور للتعبئة السياسية.
بين البرهان وبن سلمان والأمريكان تتحرك خرائط المصالح، وتُفتح قنوات التفاوض، وتُرسم المبادرات.
لكن السودان يجب ألا يكون غائبًا عن خريطة مستقبله.
فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل المبادرات واللقاءات والصفقات هو:
من يقرر مستقبل السودان؟
إذا كانت الإجابة هي السودانيون، فلابد أن يكون السلام سودانيًا، والدولة سودانية، والقرار السوداني هو نقطة البداية والنهاية.
أما إذا ظل السودان مجرد ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين، فإن انتهاء الحرب لن يكون بالضرورة نهاية للأزمة.
فربما تنتهي الحرب.. وتبقى أزمة الدولة.



